كتب احمد مصطفى بي بي سي ـ لندن بتاريخ الجمعة 09 نوفمبر 2007
قادت اسهم البنوك هبوط مؤشرات الاسواق المالية الرئيسية في العالم، مع اعلان خسائرها نتيجة هبوط سوق العقار الامريكي وما تبعه من انكشاف هائل للمقرضين على مخاطر القروض العقارية الرديئة، او Subprime mortgage.
واخرها البنك الاستثماري مورغان ستانلي الذي حذر من شطب ديون رديئة قد تزيد عن ثلاثة مليارات دولار.
وسبق ذلك استقالة رئيس ميريل لينش بعدما اعلن البنك عن شطب ديون بقيمة 8.4 مليار دولار، ولحق به رئيس سيتي غروب بعد توقعات بخسارة ما بين 5 و7 مليار دولار نتيجة ازمة القروض العقارية في امريكا.
ويقدر محللون في الاسواق ان الخسائر اكبر من ذلك بكثير، وتقدر مبدئيا بعشرات المليارات. ولا تزال الاثار السلبية لازمة الانكماش الائتماني غير مكتملة بعد.
وهناك صعوبة في تحديد حجم الخسائر المتوقعة من ازمة القروض العقارية الامريكية ـ وان كان الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الامريكي يقدرها بما بين 50 الى 100 مليار دولار، مقابل اجمالي ديون في القطاعات غير المالية الامريكية يصل الى نحو 30 تريليون دولار.
حد الغليان
بدأت فقاعة العقار بنهاية القرن الماضي، وفي السنوات الست الاخيرة ارتفعت قيمة العقارات السكنية في الاقتصادات المتقدمة بنحو ثلاثة ارباع لتصل قيمته الى نحو 75 تريليون دولار، أي ما يزيد على الدخل القومي لتلك الدول في تلك الفترة.
اصبحت هناك مغالاة شديدة في القيمة الحقيقية للاصول العقارية. وبالطبع تم تمويل ذلك بالديون الهائلة التي ساعد على زيادة حجمها توفر ما يعرف بالاموال الرخيصة وتسهيلات الاقراض والزيادة الهائلة في توريق الديون العقارية.
هذا الغليان اغرى البنوك ومؤسسات الاقراض الى الدخول بكثافة في سوق الاقراض العقاري الامريكي، وتسهيل اعادة الرهن العقاري بما يسمح لاصحاب البيوت بالاستدانة على خلفية ارتفاع سعر عقاراتهم.
الازمة المالية والاقتصاد العالمي: الاسوأ لم يأت بعد نادي خبراء المال مغالاة كبيرة في اسعار الاصول ومنها العقارات سببت الازمة الحالية


انطوت تلك الثروة الوهمية الهائلة على مخاطر شديدة، ولم تسعر عوامل المخاطرة بدقة ما ادى الى انكشاف المؤسسات المالية على تلك المخاطر مع بوادر هبوط اسعار العقار في امريكا.
ومع وصول الغليان الى حده، ضيقت البنوك والمؤسسات المالية من عمليات الاقراض لتحتفظ بقدر من السيولة كرهن مقابل القروض الرديئة التي يتوقع ان تشطبها مع تراجع قيمة الاصول التي اقترضت بضمانها.
توزيع الخطر
واذا كانت دورات الزيادة والهبوط في اسعار العقار مقصورة في السابق على الدول التي تمر بها من قبل، فان الفقاعة الاخيرة في قطاع العقار الامريكي اغرت البنوك الكبرى وصناديق الاستثمار على الدخول في سوق القروض العقارية الامريكي، ما ادى الى نشر مخاطر ها على نطاق اوسع .
وذلك ما جعل انهيار القطاع العقاري الامريكي وازمة القروض العقارية السيئة فيه تتردد اصداؤها في انحاء العالم وتقود الى انكماش ائتماني تطلب تدخل البنوك المركزية، خاصة في اوروبا، بضخ المليارات من السيولة النقدية في القطاع المصرفي.
واذا كان شره الاقتراض الامريكي تم توزيعه على العالم عبر محافظ سندات الديون لدى البنوك الكبرى ومؤسسات التمويل، فان ذلك ربما يخفف من اثر صدمة ازمة القطاع المالي على الاقتصاد العالمي، لكنه لا يمكن ان يلغي ذلك التأثير تماما.
ويتحسب المراقبون الان لان تشهد اسواق المال، والاقتصادات الرئيسية في العالم، مزيدا من الضغوط فيما تبقى من العام الجاري.
اذ ان هناك مغالاة شديدة في تقييم الكثير من الاصول المالية في العالم، تزيد عن خمسين في المئة في احيان كثيرة ـ كما ان قطاع الخدمات المالية اصبح يحتل قدرا اكبر من الناتج المحلي الاجمالي لعدد كبير من الاقتصادات في العقدين الاخيرين، على حساب قطاعات الاقتصاد التقليدية الاخرى.
دائرة التاثر
واذا كانت اوروبا واسيا الاكثر تاثرا بما يجري للاقتصاد الامريكي، فان بقية العالم عرضة للتاثر اذا دخلت امريكا في ركود ولم تفلح الاجراءات النقدية في انعاش الاقتصاد.
كما ان السياسات النقدية ليست مضمونة التاثير، ثم ان بعض البنوك المركزية قد تتردد في خفض اسعار الفائدة بشدة كي لا تتهم بانها ترتكب جرما اخلاقيا بمكافأة المغامرين، الذين حققوا ارباحا طائلة عبر مخاطر هائلة، على حساب الملايين من المواطنين.
الازمة المالية والاقتصاد العالمي: الاسوأ لم يأت بعد نادي خبراء المال اذا دخل الاقتصاد في ركود ستنخفض اسعار النفط بما يضر بالدول المنتجة


ربما يرى البعض ان الشرق الاوسط، خاصة دول الخليج النفطية مستفيدة من الوضع الحالي، وان صناديق الاستثمار من المنطقة قد تستفيد من التراجع في الولايات المتحدة واوروبا.
فمشاكل البورصات العالمية والتشدد في الاقراض من البنوك واحتمالات موجات البيع للاصول توفر "فرصة تسوق" لصناديق الاستثمار الخليجية.
ورغم انه من الصعب تحديد حجم الاستثمارات في تلك الصناديق الحكومية فان بعض المؤسسات الدولية يقدر ان صناديق الاستثمار في دول الخليج تدير اصولا تزيد قيمتها عن ثلاثة ارباع تريليون دولار.
لكن اذا استمرت الازمة الحالية وازدادت سوءا، فلن تفلت المنطقة من تاثيراتها السلبية، وقد تتضرر الصناديق الخليجية نتيجة انكشافها على المخاطر الخارجية، فمعظمها يملك اصولا في اوروبا وامريكا الشمالية شهدت غليانا في قيمتها في السنوات الاخيرة.
كما ان تشديد اجراءات الاقراض من البنوك العالمية الرئيسية سيؤثر سلبا على خطط التنمية الطموحة في المنطقة، خاصة في مشروعات البنية الاساسية ومشروعات الطاقة.
ومع ان معظم دول الخليج يمكنها تحمل انخفاض اسعار النفط دون ان تتاثر بشدة، فان الانفاق والاستهلاك في المنطقة سيتاثر سلبا، في حال تراجع الاسعار، خاصة في الدول غير النفطية التي استفادت من الاستثمارات الاجنبية المباشرة القادمة من دول الخليج.