من المرجح أن تحد الأزمة المالية العالمية من وضع الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم.
فعلى المستوى العملي استنفدت واشنطن قدراتها العسكرية في افغانستان والعراق وتستنفد الآن قدراتها المالية، وعلى المستوى الفلسفي سيكون من العسير عليها أن تدافع عن أفكارها بخصوص الأسواق الحرة إذا انهارات أسواقها هي.
وكتب الفيلسوف السياسي جون قريي الذي تقاعد مؤخراً من منصبه كأستاذ في "مدرسة لندن للاقتصاد" في صحيفة الاوبزيرفر البريطانية قائلاً "هنا تغير جيوسياسي تاريخي حيث يتحول توازن القوى في العالم بشكل نهائي".
ويضيف قريي "لقد انتهت حقبة الريادة العالمية الأمريكية التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية، ... لقد دمرت عقيدة السوق الحر الأمريكية نفسها، بينما ظلت الحكومات التي احتفظت بالسيطرة على كل الأسواق تدافع عنها".
ويرى قريي أنه في ظل تغير شديد التأثير والتداعيات كانهيار الاتحاد السوفيتي فإن كل نموذج الدولة والاقتصاد سينهار، ويضيف "ما مدى رمزية هذه اللحظة عندما يقوم رائد فضاء صيني برحلة في الفضاء، بينما يجثو وزير الخزانة الأمريكي على رجليه".
لا، ليس بعد
لكن لا يوافق الجميع على أنه حان وقت سفر الرؤية الأمريكي، وعلى اي حال فقد امتحن هذا النظام من قبل، ففي عام 1987 هبط مؤشر داو جونز بأكثر من 20 في المئة في يوم واحد، وفي عام 2000 انهارت أسهم شركات مواقع الانترنت بشكل كبير، وفي الحالتين استطاعت الولايات المتحدة الخروج من الأزمة.
رد بولتين بعنف على تعليقات حول نهاية السيطرة الأمريكية


وعندما اتصلت بجون بولتون السفير الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة وأحد الصقور في إدارة الرئيس بوش وأخبرته بتعليقات البروفسير قريي لم يزد على أن قال لي "إذا كان البروفسير قريي يعتقد فيما يقول، هل يمكن أن يؤكد لنا أنه سيبيع أصوله في الولايات المتحدة قريباً، ... إذا كان سيفعل أين سيذهب بنقوده بدلاً عن أمريكا؟ وإذا لم تكن له أصول في الولايات المتحدة لماذا نعيره أي اهتمام".
وعلى الرغم من هذه التعليقات، يبدو أن مفهوم القوة العظمى الوحيدة التي تركت تمتطى ظهر العالم بعد انهيار الشيوعية والنهاية المفترضة للتاريخ لم يعد صالحاً بعد اليوم.
وحتى قادة منظري المحافظين الجدد يقبلون فكرة تشكل عالم جديد أكثر تعددية، على الرغم من أن العالم الذي يريدونه هو الذي تقوده الولايات المتحدة.
روبرت كيجان المؤسس المشارك في مشروع "من أجل قرن أمريكي جديد" عام 1997 الداعي إلى "قيادة أمريكية عالمية" كتب في مجلة الشؤون الخارجية هذا الخريف قائلاً "هؤلاء الذين يقولون اليوم إن الولايات المتحدة في تراجع، يتخيلون عادة الماضي الذي كان العالم يرقص فيه على أنغام لحن اولمبي أمريكي، وهذا وهم"، ... العالم اليوم يشبه عالم القرن التاسع عشر أكثر من نهاية القرن العشرين".
ويضيف كيجان "هؤلاء الذين يعتقدون أن هذه أخبار جيدة يجب أن يتذكروا أن نظام القرن التاسع عشر لم ينته بمثلما انتهت الحرب الباردة، ... ولتجنب مصير مشابه على الولايات المتحدة والأمم الديمقراطية الأخرى تبني رؤية أكثر استنارة وعطاء حول مصالحها من تلك التي تبنتها خلال الحرب الباردة، الولايات المتحدة كأقوى ديمقراطية يجب ألا تعارض بل أن ترحب بعالم تتقلص فيه السيادة الوطنية".
الحرب على الأراهاب كلفت أمريكا كثيراً


ويشرح كيجان فكرته بالقول "وفي نفس الوقت فإن ديمقراطيات آسيا وأوروبا تحتاج لأن تدرك مجدداً أن التحرك تجاه هذا النظام الأكثر ليبرالية لا يعتمد فقط على القانون وإرادة الناس، بل على الأمم القوية كتلك التي تستطيع أن تدعمه وتدافع عنه".
ويقول دكتور روبين شاتام مدير دار شاتام البريطانية للابحاث إنه لاحظ خلال حضوره لأحد المؤتمرات مؤخراً مدى التشكك الذي قابل به الحاضرون دعوة أحد المشاركين الأمريكيين لمواصلة قيادة الولايات المتحدة للعالم.
ويرى شاتام أن هناك عوامل متعددة أدت إلى النظر لمكانة الولايات المتحدة باعتبارها متراجعة نسبياً، منها ظهور بعض القوى الجديدة وتراكم عائدات النفط لدى دول أخرى وانتشار القوة الاقتصادية في انحاء العالم، لكنه يضيف "يجب أن نفصل بين اللحظة الحالية والبناء الكلي، لا شك أن الرئيس بوش خلق جزء من مشكلته، فالتمدد العسكري والأزمة الاقتصادية يمكن أن يلقى فيها باللوم على الإدارة الأمريكية، ... ولم يكن تخفيضه للضرائب متناسباً مع ضغوط الانفاق، والتأثيرات المشتركة للفشل في العراق والصعوبات في افغانستان والتدخل ضد روسيا في حربها مع جورجيا كل ذلك أدى إلى احساس بنهاية هذه الحقبة".
ويخلص شاتام للقول "يجب على الشخص أن يسأل، تراجعت بالنسبة لمن؟ فالصين في سباق شديد للنمو من أجل اطعام شعبها وظلت تصرف نظرها عن حالة عدم الاستقرار لحوالي 15 إلى 20 عاماً، وروسيا ليست نمراً من ورق لكنها تستنفد امكانياتها باستراتيجية جديدة مبنية على قاعدة هشة، الهند لديها تناقضات داخلية كبيرة، وأوروبا تثبت عادة عدم قدرتها على الخروج من الركود كما تفعل الولايات المتحدة بديناميكية"
ومع اقتراب الانتخابات الأمريكية، يكون من المجدي الرجوع إلى هذه القضية بعد عام من الآن لنرى كيف صار العالم وأين هو الموقع الأمريكي فيه، إذاً لننتظر ونرى.

BBCArabic.com | أخبار العالم | هل تراجعت أمريكا؟ ولحساب من؟