ما قيل وما لا يقال - عن الأزمة الاقتصادية وانهيارات أسواق المال.!
محمد بن عبد الله الشريف - كاتب في الشأن العام 13/10/1429هـ
لو جمع ما كتب وما قيل عن أسباب الأزمة الاقتصادية التي حلت بالعالم وأدت إلى انهيارات أسواق المال، وما تبعها من أزمة نفسية وصحية على سكان العالم، لشكّل ذلك جبالا من المجلدات، لا تخلو من حقائق يمكن استخلاصها والتمعن فيها وتبنيها، ليس لمعالجة الأزمة الحالية فحسب، وإنما للاحتياط والحيلولة دون توريث الأزمة لأجيال قادمة، بعد عدة عقود.. والحقيقة أنه ما من أحد على وجه البسيطة لم يتأثر بالأزمة، ويكتوي بنارها من قريب أو بعيد، حتى الحيوانات، حين يشح عليها الغذاء، بسبب الأزمة، لو نطقت لقالت ما لم يقله البشر!
وكل من كتب أو تحدث يفسر الأزمة ويرجعها إلى الأسباب التي يراها من وجهة نظره، بمن فيهم الرئيس الإيراني الذي رأى أن الأسباب تكمن في الابتعاد عن الله، ولم يبتعد أحد، في نظري، سواء في ملامسة الواقع، أو في اقتراح المعالجة، بيد أن ما أصاب الاقتصاد الأمريكي يشبه المرض الخبيث (السرطان) الذي يتسلل إلى الجسم، ويتغلغل بخبث وتكتّم، دون ظهور أي أعراض مرضية في بداية الأمر، إلى أن يتمكن من العضو المصاب، فيعتريه الخلل في أداء دوره، ثم يسري هذا الخلل إلى بقية الأعضاء.
ولتوضيح ما أعنيه، فإن الاقتصاد العالمي يشبه جسم الإنسان، والاقتصاد الأمريكي يحتل منه القلب، وبقية اقتصادات العالم هي الأعضاء، وحين أصيب القلب بالمرض، لم يكتشف أو يعلن إلا في مرحلة متقدمة، بدأ فيها ينتشر في بقية الأعضاء، وأمريكا الآن تحاول إسعاف مريضها، لكن المسكنات الإسعافية لا تنفع حين يسقط المريض فريسة للمرض، بل إن دورها، أي الإسعافات، يكون أنجع عند الإحساس بالمشكلة. في البداية، لكن هذا لم يحدث، رغم ظهور بوادر المرض، في صور متعددة، منها التمادي في نهب أموال الناس، واستغلال حاجتهم، تحت مظلة الرهن العقاري، لمنازل لا تساوي قيمتها، واستغلال هذه المظلة في تكبير دائرة ظلها، لتحتمي به البنوك، في تدوير تلك الرهون لجلب سيولة وهمية نكبل بها أصحاب الحاجة، في قروض استهلاكية، ومنها السعادة التي كانت تغمر قادة أمريكا وهم يرون الناس، خارجها، ممن يملكون مدخراتهم بالدولار، أو ترتبط عملاتهم به، يفقدون نصف هذه المدخرات، مع فقد الدولار نصف قيمته أمام العملات الرئيسية، لأن ذلك يعني، من وجهة الآخر، ازدهار الاقتصاد الأمريكي، بانتعاش صادراته، وما دروا أن ذلك لا يعني سوى الوهم الذي فاجأهم انكشافه، على حين غفلة، لأنه بقدر ما تستخف أمريكا بالآخرين، وهذا دأبها، سيأتي يوم يشمتون فيه بها، وها هو قد حل، وإن كان الطوفان يكاد يغرق الجميع، وفيهم من يقول، علي وعلى أعدائي، كما يفعل إخواننا الإيرانيون.المصيبة أن الاقتصاد العالمي مترابط، ومتداخل بعضه في بعض، وما طال رأسك طال رجليك، كما يقال، وها هي الأرجل تعاني ما أصاب الرأس. لكنني أقدر أن جزءا يسيرا فقط، مما أصاب اقتصاد العالم، هو في واقعه حقيقي، نتيجة للارتباط العضوي المباشر مع اقتصاد أمريكا في صور متعددة من التداخل، بيد أن الجزء الأكبر منه وهمي، ومعزوّ لما أصاب الناس من ذعر وخوف، بسبب انهيار أكبر كيان اقتصادي في العالم، حتى ظن الناس أنه لن ينجو منه أحد، وهذا يتجلى فيما حدث لدينا بالذات في المملكة، رغم بعدنا النسبي عن الأزمة، فلو لم يكن لدينا سوى حاميين رئيسيين هما الضخ الهائل للذهب الأسود في شرايين اقتصاديات العالم من شرقه إلى غربه، الذي لولاه أصاب الجفاف هذه الشرايين.. ثم النظام المصرفي المحافظ والمتحفظ، لكفانا ذلك مغبة العدوى مما حدث في أمريكا، لكن التخوف غير المبرر، وطبيعة المجتمع الذي يخلق الإشاعات ويصدقها، وسيطرة قلة من الطامعين، البعيدين عن الله، على أحد أعمدة الاقتصاد، وهو السوق المالية، هو الذي أسهم وأدى إلى ما ليس له مبرر، في السوق المالية بالذات.
وكما جرّت أمريكا العالم إلى أتون معارك حربية، ظاهرها مكافحة الإرهاب، وأجبرت حكوماته على المضي معها في قتال من ليس لهم علاقة بأسبابها، وأجبرتهم على صرف الجزء الأكبر من قوت شعوبهم، على الحرب، ها هي من جديد تجر العالم إلى أتون معركة اقتصادية لا ناقة له فيها ولا جمل، وكل هذا بسبب السياسة الاقتصادية المتهورة، التي يقودها رئيس جلب العداء لنفسه قبل بلده، وها هو يجر أذيال الخيبة والهزيمة، وهو يلملم أغراض الشخصية مغادرا غير مأسوف عليه.
ما يعنيني في هذا الحديث أكثر، هو شأننا الداخلي، فوضعنا الاقتصادي ما يزال متماسكا ومتينا، والمفترض أننا من أقل الدول تأثرا مباشرا بالأزمة، لولا بعض المرجفين، الذين يجرون العامة إلى التفريط بمدخراتهم، تحت وطأة الخوف والهروب، ومقولة، انج سعد فقد هلك سعيد، أو مقولة، جاك الذيب جاك وليده، لكننا مع ذلك، يجب أن نستفيد من دروس الأزمة، في مراجعة بعض الأوضاع، سعيا إلى تحصينها ضد احتمالات هبوب عواصف كهذه في المستقبل، ويأتي في مقدمة ذلك سوق المال، بطبيعة الحال، الذي لم يعد ممكنا تركه في مهب العاصفة والإشاعات، تتقاذفه يمنة ويسرة، إلى أن هرب منه اللاعبون، وسيطر عليه المتلاعبون، ولا بد أن ندرك أن سياسة النفس الطويل، والاكتفاء بمراقبة آمال الناس وأموالهم تضمحل أمامهم، على أمل أن تعدل الأيام ما لم تعدله الأقلام، على غرار قول الشاعر:
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفسا إذا حكم القضاء

لم يعد مفيدا، بل إنه قد غدا ضاراً، ودفع البعض إلى الاطمئنان، والتمادي في العدوان!
والفائدة التي يمكن أن نجنيها مما صار، هي أولا التبصر والاعتبار ثم التحول من سياسة الركون والاستسلام، إلى ساسية الحزم والإقدام، وأخذ كل بجريرته، وما انطوت عليه سيرته، متمثلين بقول الشاعر الآخر:
لا تقطعنّ ذَنَب الأفعى وتتركها إن كنت شهماً فاتبع رأسها الذنبا
ثم لنستعرض وضع البنوك لأخذ العبرة، فهي فعلا قوية بأصولها وسيولتها وقواعد حمايتها، مثلما عبر عنه نائب محافظ مؤسسة النقد أخيرا، لكننا نرى في تعامل البنوك مجازفة، وفي المغريات التي تقدمها بعض الخداع والمناكفة، انظروا مثلا إلى بنك يربح أكثر من خمسة مليارات ريال في تسعة أشهر، هذا في وقت تراجعت فيه أرباح معظم القطاعات، هل هناك قطاع يربح قريبا مما تربح البنوك، وهو ما يعادل رؤوس أموال بعضها! هذا لا يمكن أن يحدث في قطاع آخر حتى لو شاب بعض عملياته ما يشبه القمار، وحتى لو حشا النقود حشوا في الخياش كما يحشوها بالجراد صائدوه في موسمه! طبعا هذا يحدث لأن البنك يركز على استغلال حاجة الناس إليه، واصطيادهم ببريق إعلامه وإعلانه فالقروض الشخصية ليست لها مردود على الاقتصاد وفوائدها مركبة، المقترض يلتهمها كما تلتهم النار الهشيم ومع ذلك يستطيع كل من يريد أن يزور البنك ويخرج، خلال ساعة وفي يده ما يعادل راتبه أو دخله لعدة سنوات، كما تقول الإعلانات، أما قروض السيارات فتنطوي هي الأخرى على خدعة وتضليل يستهدفان جذب الناس وتوريطهم، فعبارات تتخلل الإعلانات مثل: ريال واحد تدفعه لكي تخرج بسيارة، أو ندفع عنك الأقساط الأولى، أو دون دفعة أولى وأخيرة، أو ندفع لك نقدا، كلها عبارات مضللة وفيها تكبيل للشباب والسيدات في مآزق تملك السيارات وما يقال عن ذلك يمكن أن ينطبق على القروض الأخرى.
والمفترض في تعاملات التمويل هو التثبت من جدية طالب القرض وملاءته وحاجته وأن يكون من شروطه دفع نسبة لا تقل عن الربع من حر ماله، دون أن يصاحب ذلك شيء من الالتفاف والخداع.
أخيرا، ليتذكر المسؤولون عن البنوك أن ما تجنيه من أرباح طائلة يأتي على حساب أرباح القطاعات الأخرى أو يدفع من جيوب المقترضين وإذا فرغت هذه الجيوب سيتوقف الدفع وإن أول من يتأثر بذلك هي البنوك نفسها، فعليها أن تراعي الأمانة والصدق والاعتدال والحلال في تعاملها مع الناس وبخاصة ذوي الحاجة من المواطنين.
والله من وراء القصد

http://www.aleqt.com/article.php?do=show&id=10779