على الأرجح ألا تكون صرخة حاشدة. وفي المسيرات والاجتماعات ضد التدخل الحكومي الكبير في شتى أرجاء الولايات المتحدة، حيث تلعن بعض الإعلانات الرئيس، يحمل آخرون شعاراً لافتاً للنظر: «انهوا الاحتياطي الفيدرالي», حتى أن رون بول بالكاد يصدق ذلك. ويكتسب الموضوع المحبب لعضو الحزب الجمهوري من ولاية تكساس البالغ من العمر 74 عاماً، والنشيط بعد السباق الرئاسي غير الواقعي في العام الماضي، فورة من المرتدين. وأما كتابه، الذي يحمل كذلك العنوان «أنهوا الفيدرالي End the Fed»، فيرتفع صاعداً قائمة أفضل الكتب مبيعاً. وفيه يكتب بسرور حول الطلبة في جامعة آن أربور بولاية ميتشيجان، وهم يغنون العبارة، ويحرقون ورقة الدولار في ساحة الكلية أثناء مناقشتهم جرائم الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي).
كان ذلك قبل الأزمة المالية. وأما في أعقابها، فإن الإشارات والشعارات أصبحت أوسع انتشاراً، وأصبح الغضب أكثر مرارة. ويقول مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في «إيكونومي دوت كوم» Economy.com التابعة لوكالة موديز، ومستشار جون مكين خلال حملته الانتخابية إلى الرئاسة: «إنه أمر مفهوم. فعديد من الأمريكيين تعرضوا إلى تجربة صعبة معروفة، وهم يعانون، ومرتبكون، ومنزعجون كذلك».
في الكونجرس كذلك، اكتملت أفكار أقلية ضئيلة مهووسة منذ عقود بتقليص صلاحيات البنك المركزي للبلاد، بالانتقادات الموجهة من جانب الأغلبية. ويوضح بول قائلاً: «أصبح من المعروف لدى عديد من الأمريكيين ورجال الكونجرس أن الاحتياطي الفيدرالي أكثر تدخلاً مما كنا نتصور».
بالنسبة لبول وأنصاره، فإن إزالة الاحتياطي الفيدرالي ستنهي قرابة قرن من الحكم على الاقتصاد من قبل مؤسسة غير ديمقراطية عملت على إضعاف الدولار، وأشعلت التضخم. وبالنسبة لمعظم الاقتصاديين، فإن «إنهاء» الفيدرالي – أو حتى تقويض استقلاله – من شأنه أن يهز الأسواق المالية تماماً مثلما يرتفع شأن البنك عند معالجة إجراء سحب الحافز الكبير غير التقليدي دون خنق التعافي، ولكن قبل دفع التضخم إلى أعلى.
جادل الاحتياطي الفيدرالي بنفسه بالقول إن أي حديث خافت عن التدخل السياسي في السياسة النقدية كفيل بدفع معدلات الفائدة طويلة الأجل إلى أعلى، ويكلف «الأجيال الحالية وفي المستقبل» من دافعي الضرائب الأمريكيين غالياً على شكل تكاليف أعلى لسداد الدين القومي الكبير. ويقترب بين بيرنانكي الذي ترأس منذ عام 2006 شبكة من 12 بنكاً فيدرالياً إقليمياً، من جلسة تأكيد يتوقع انعقادها في غضون الأسابيع القليلة المقبلة لفترة ثانية في منصبه كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، بقائمة غير مرحب بها من المشكلات السياسية، الأمر الذي يضيف إلى واجباته لنفخ الحياة في تعاف اقتصادي غير مؤكد.
حصل مشروع قانون قدمه بول للتدقيق في الاحتياطي الفيدرالي على دعم أكثر من ثلثي مجلس النواب. وأما حوافز رجل تكساس هذا، فهي ليست مزعجة كما يوحي «التدقيق» – هذه هي «الخطوة الأولى» فقط إلى التدمير الحتمي للخطر. ويقول بول: «بإمكانهم طبع النقود من الهواء، وخدمة مصالح خاصة. ولكن المصرفية المركزية بحد ذاتها هي التي تسبب الفقاعات الاقتصادية».
مما لا شك فيه أن الصحيح هو أن معظم الفقاعات الأخيرة، وانفجارها، وإجراءات الاحتياطي الفيدرالي في أعقاب ذلك، ألهمت النقاد الحاليين، واجتذبت آخرين جدد. ويتمثل اتهامهم الأول في أن معدلات الفائدة أثناء رئاسة ألان جرينسبان، سلف بيرنانكي، تم إبقاؤها متدنية للغاية لفترة طويلة جداً، الأمر الذي ساهم في تشكيل فقاعة الائتمان السهل.
أما الثاني، فإنهم يقولون إن مضاعفة الاحتياطي الفيدرالي ميزانيته العمومية إلى أكثر من ألفي مليار دولار (1.362 مليار يورو، 1.259 مليار جنيه استرليني)، واستخدامها لضخ السيولة في البنوك، ما هي إلا مثال على وجود مؤسسة غير منتخبة – ومؤسسة ليست مقدسة في الدستور – وتتمتع بالكثير للغاية من الصلاحيات الفجة.
الاتهام الثالث هو أنهم يقلقون بشأن القدرة على الإقراض بشكل مباشر إلى بنوك متعثرة (ومنذ عام 1991 إلى غير البنوك)، وهذا أمر لم تتم ممارسته منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ولكن تم استخدامه خلال الأزمة لدعم بنك بير شتيرنز Bear Stearns ، البنك الاستثماري الذي اشتراه بنك جيه بي مورجان تشيس JPMorgan Chase، وأيه آي جي، مجموعة التأمين الأمريكية التي تمتلك الحكومة أغلبيتها الآن. وتتمحور المخاوف حول تحويل مليارات الدولارات من الأموال العامة إلى مؤسسات خاصة، دون تأكيد بالسداد.
الرابع هو أن عديدا من السياسيين والمنظمين الآخرين يقولون إن على الاحتياطي الفيدرالي أن يفقد مسؤولياته لحماية المستهلكين (لأنه فشل في إنجاز ذلك)، ويجب ألا يكتسب صلاحيات جديدة للإشراف على المخاطر الشاملة (لأنه يجب أن يكون للمنظمين الآخرين دور في هذا الشأن كذلك).
هناك بعدئذ انتقادات يعود تاريخها إلى ما قبل الأزمة. ويعتقد بعض مؤيدي الاحتياطي الفيدرالي أنه محفز في بعض الأحيان من قبل نظرية المؤامرة القائمة منذ أجل طويل، والمناهضة للسامية، والتي تضع الاحتياطي الفيدرالي في قلب مجموعة من المصرفيين اليهود الذين يعملون لتحقيق غاياتهم الخاصة، ومصالح أجنبية، على حساب مصالح البلاد.
لكن لا ينبغي أن يكون ذلك بالضرورة لوثة عنصرية من حيث الاتهام بأن الاحتياطي الفيدرالي مناهض للشفافية، وكتوم، وحكيم بشكل متعمد في تصريحاته. ويتذكر روبرت أورباخ، كبير الاقتصاديين سابقاً للجنة الإسكان المصرفية House banking committee أنه قد تم إرساله إلى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك خلال ثمانينيات القرن الماضي بصفته محققاً من قبل الكونجرس ليدخل إلى عمق 80 قدما تحت الأرض، إلى خزانة يحتفظ بها كما كان يعتقد أنه أكبر كمية من الذهب في العالم. والسبب؟ للتأكد من أنه كان هناك». وكان ذلك مستوى الغموض وسوء الثقة بين الكونجرس والاحتياطي الفيدرالي.
يتذكر بارني فرانك، عضو الحزب الديمقراطي الذي يرأس الآن اللجنة القوية ذاتها، التغيير الذي جلب التصريحات بعد أن كشفت اجتماعات السياسة النقدية عن أية تغييرات في معدل الفائدة على الأموال الفيدرالية المستهدف. ويقول: «كيف يمكنك أن تحدد معدلات الفائدة دون إبلاغ الناس، إن الله وحده يعلم».
يتساءل ألان بلندر، نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي سابقاً، وأستاذ الاقتصاد في جامعة برنستون حالياً، قائلا: «هل كان الاحتياطي الفيدرالي على مر العقود كتوماً إلى حد كبير لأسباب واهية للغاية؟ إن الإجابة هي نعم بشكل مطلق. وإذا عدنا إلى الطريقة التي تصرف بها الاحتياطي الفيدرالي على نحو متغطرس، فبإمكان المرء أن يقول إن ذلك كان في خمسينيات، وستينيات، وسبعينيات، وثمانينيات القرن الماضي. وثمة سبب للتذمر بشأن ذلك.
غير أن الأمور تغيرت. وحتى أن بعض نقاد الاحتياطي الفيدرالي يعترفون بأنه أصبح أكثر شفافية. ويقول أورباخ، وبول، إن موقف بيرنانكي متحسن عن موقف جرينسبان. وتحت الضغوط، بدأ البنك بنشر ميزانية عمومية شهرية تتضمن كمية وافرة من المعلومات، ولكن ليس أسماء تلك البنوك التي طرقت تسهيلاته الائتمانية. وتطور هذا الأمر إلى قضية شهيرة بسيطة بالنسبة لوكالة بلومبيرج للأنباء التي تلاحق البنك من خلال المحاكم بموجب قانون حرية الحصول على المعلومات.
رغم أن الاحتياطي الفيدرالي أصبح أكثر شفافية، إلا أن تاريخ السرية طويل للغاية، بحيث أن الإدراك يتأخر خلف الواقع. وورث بيرنانكي مركز «الصبي الذي صرخ قائلاً أتى الذئب». وغالباً ما حذر الاحتياطي الفيدرالي من وقوع كارثة إذا تم التلاعب بسلطته، لدرجة أن أمام الرئيس الحالي مهمة صعبة لإقناع السياسيين حين يشير إلى وجود أخطار مبهمة في الأفق.
في الوقت الذي تفشل فيه كل خطوة باتجاه ضوء الشمس بجلب الكارثة – لا أحد يضع اللوم بسبب الأزمة الأخيرة على المزيد للغاية من شفافية المصرفية المركزية – يُترك الاحتياطي الفيدرالي بهامش ضعيف من السرية، وسلطة أضعف إذا اضطر فعلياً إلى مقاومة الدعوات المستقبلية للمزيد من الانفتاح.
يجادل معظم الاقتصاديين بالقول إن هناك شيئاً ما يستحق المحافظة عليه. ويقول زاندي من وكالة موديز: «أعتقد أن الكونجرس يجب أن يكون في غاية الحذر في تغيير علاقته مع الاحتياطي الفيدرالي بحيث لا تؤثر في استقلالية الفيدرالي الفعلية، أو حتى الملاحظة فقط. وإن المستثمرين العالميين حساسون تحديداً إزاء آفاق تعرض الاحتياطي الفيدرالي إلى الضغوط لتحويل جميع الديون التي تم توليدها إلى أموال. وأعتقد أنه من العدل القول إن القوة الأهم في نظامنا المالي هي استقلالية الاحتياطي الفيدرالي».
بالنسبة للوقت الحالي، فلا يوجد دليل على أن المستثمرين الأجانب غير مستعدين لابتلاع الديون الأمريكية: تبقى عوائد السندات طويلة الأجل متدنية. وحذر الاحتياطي الفيدرالي من أنه إذا أصبح الكونجرس معنياً بشكل أكثر فعالية في السياسة النقدية، فإن المستثمرين سيخشون من أن تبقى معدلات الفائدة متدنية للغاية في الأجل القصير، حيث أن واضعي معدلات الفائدة يقلقون إزاء الضغوط السياسية – وأن ترتفع معدلات الفائدة طويلة الأجل في الوقت الذي تزداد فيه المخاوف من التضخم كنتيجة لذلك، الأمر الذي يضيف إلى تكلفة الدين على «أجيال» من الأمريكيين.
في الوقت الذي يدرس فيه الكونجرس خيارات إصلاح النظام المالي، فإن سيناريو الحالة الأسوأ بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي ما زال قيد المناقشة: سيفقد سلطته لحماية المستهلك، ويفقد سلطاته للإشراف على البنوك، ولا يُعطى المسؤولية الأساسية لتنظيم المخاطر الشاملة، وسيتحمل عمليات تدقيق ساحقة، بما في ذلك التدقيق على خطوط المقايضة الخاصة به مع الحكومات الأجنبية، وعليه أن ينشر أسماء نظرائه.
ساعد بيرنانكي، وسكوت ألفاريز، المستشار العام للاحتياطي الفيدرالي، نفسيهما في شهادة حديثة أمام الكونجرس. وحيث إن الاثنين لم يغضبا بسبب الأسئلة العدائية التي وجهت إليهما أمام لجنة فرانك، فإنهما سعيا إلى تقليل مخاوف صانعي القانون دون اللجوء إلى سمة إلقاء المحاضرات التي اتسم بها بعض مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي السابقين.
سلم الاثنان أنفسهما إلى تنمر فرانك الذي استند إلى غياب الشفافية السابق، ونشر قائمة من الإخفاقات المزعومة في حماية المستهلك. ويقول: «إن الاحتياطي الفيدرالي منظم سيئ لقطاع المستهلكين». وهذا يناقض حقيقة أنه ينظر إلى فرانك، مثل تيم غايثنر، وزير الخزانة الأمريكية السابق، والرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، على أنه متعاطف مع البنك المركزي.
في واقع الأمر، فإن هذه المعاملة القاسية يمكن أن توفر طريقاً إلى حل وسط حيوي – بين إنهاء، أو الحد بشدة من صلاحيات الاحتياطي الفيدرالي من جهة، والمحافظة عليها وتعزيزها من جهة أخرى. ولكن سيقتضي ذلك كل المعرفة السياسية التي يمتلكها بيرنانكي وجهازه الوظيفي في مؤسسة سياسية بشكل واضح.
بموجب هذا السياق، فإن صلاحيات المستهلك يمكن أن تذهب إلى وكالة جديدة، وهي نتيجة تخشاها البنوك، ولكنها تستمر في تلقي دعم الرئيس باراك أوباما- بينما عديدون في الكونجرس إما يدعمونها، أو يخشون التصويت بالرفض على أي تشريع ينظر إليه على أنه مؤيد للمستهلك.
إنها ليست كارثة بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي. وحين قطع أوباما إجازته التي كان يقضيها في مارثا فينيارد في شهر آب (أغسطس) ليساند بيرنانكي، ويعلن إنه كان يعيد تعيين رئيس الاحتياطي الفيدرالي، أعطى الأشارة الأوضح لدعم إدارته لهذه المؤسسة.
تعمل الإدارة، وتحديداً وزارة الخزانة تحت رئاسة جايثنر، بشكل وثيق مع فرانك لعدم إخافة الاحتياطي الفيدرالي بشكل سيء للغاية. وكانت وزارة الخزانة هي من اقترح خطة للإصلاح التنظيمي في شهر حزيران (يونيو)، والتي أخذ فيها الاحتياطي الفيدرالي الدور الرئيس في تنظيم المخاطر الشاملة، واضطر إلى التنازل عن صلاحياته لحماية المستهلك فقط. وعلى نحو أكثر أهمية، فإن أية صلاحيات تدقيق جديدة لمكتب المساءلة الحكومية Government Accountability Office التابع للكونجرس لن تتمكن من تدقيق السياسة النقدية، أو نشر الاتصالات مع البلدان الأخرى.
لكن ما زال بعض مراقبي الاحتياطي الفيدرالي قلقين بشأن قدرة بيرنانكي على الحصول على تلك النتيجة بسبب قلق الكونجرس. ويقول بلندر: «لا أعتقد أن ذلك سيتم بسهولة على الإطلاق. وفي هذه المرحلة، فإنه يسبح ضد التيار».
في غضون ذلك، ما زال ذلك الشعار اللافت للنظر ظاهراً في متاجر الكتب، وأثناء المسيرات، وعلى الإعلانات، وعلى قمصان التي شيرت، وفي شتى أرجاء الإنترنت. وإن الاحتياطي الفيدرالي بحاجة إلى استجابة تمثل ضربة قاضية