فولفجانج مونشو
تصوروا عالماً يكون فيه عجز الحساب الجاري في الولايات المتحدة صغيراً، ويكون فيه عجز أكبر قليلاً في منطقة اليورو، ولا تكون فيه الفوائض الآسيوية مرتفعة جداً. في عالم كهذا لن يعود المعلقون الاقتصاديون يوجهون سهامهم إلى الاختلالات العالمية، وسيترتب عليهم أن يجدوا موضوعاً آخر.

في المدى الطويل يتطلب مثل هذا العالم إدخال إصلاحات كبيرة على النظام النقدي العالمي. وفي المدى القصير، فإن انخفاض سعر صرف الدولار يساعدنا على الوصول إلى هناك. وألاحظ هنا ببعض الرضا، أن هذا يحدث الآن.
إن دولاراً أقل قيمة مرغوب فيه لأن من شأنه أن يساعد أمريكا على تحقيق النوع الصحيح من التعافي. ذلك أن اقتصاد الولايات المتحدة مقيد بصورة قوية بتحرر الأسر والقطاع المالي من المديونية، وربما بانخفاض دائم في النمو المحتمل. وفي غياب فقاعة إسكان أخرى وطفرة استهلاكية أخرى، فإن تعافياً يقوده التصدير هو أفضل استراتيجية نمو يمكن أن تطبقها الولايات المتحدة.
إنني لا أؤمن بتعهدات وزير الخزانة، تيم جايتنر، ولاري سمرز، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، بدولار قوي لأنه يتعين عليهما أن يقولا ذلك. إنه الخط الرسمي للسياسات. وبغير ذلك سيجن جنون أســـواق الأسهـــم. لكن دولاراً قــوياً هـو آخر شيء يحتاجه اقتصاد الولايات المتحدة في الوقت الراهن.
هناك عاملان آخران يدعمان دولاراً ضعيفاً. الأول بطبيعة الحال هو العجز الذي يعاني منه القطاع العام والمكون من خانتين عشريتين، وهو عجز أخرج المستثمرين عن طورهم ولن ينخفض سريعا. والعامل الثاني هو السياسة النقدية.
هناك خطر ضئيل من حدوث تضخم في المدى القصير، لكن هناك خطراً كبيراً من حدوث تضخم بعد انتهاء الأزمة. إنني أشك في أن يحدد بنك الاحتياطي الفيدرالي لنفسه معدل تضخم بنسبة 6 في المائة، كما يقترح بعض خبراء الاقتصاد الأمريكيين الآن. لكنني أشك في أن الاحتياطي الفيدرالي لن يسير ضد التيار في حال ظهور ضغوط تضخمية. لقد أكدت آخر الملاحظات الصادرة عن بيل دودلي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، شكّي بشأن تحيز الاحتياطي الفيدرالي غير المتسق، عندما قال إنه يخشى الانكماش أكثر مما يخشى التضخم وإن أسعار الفائدة ستظل منخفضــــة لبعض الوقت. هذا تكرار لعامي 2003 و2004، باستثناء أن الفرص أعلى هذه المرة لأن تنتهي هذه الأزمة بحدوث تضخم وليس بفقاعة إسكان وائتمان.
ماذا عن بقية العالم؟ ألن يقاتل الأوروبيون، مثلا، بكل ما أوتوا من قوة ضد ضعف الدولار؟ ليس بالضرورة. ما عليكم إلا أن تنظروا إلى الوضع من منظور البنك المركزي الأوروبي. من الناحية المثالية، يريد الخروج في وقت مبكر عبر سحب دعم السيولة ورفع أسعار الفائدة، لكنه مصفد اليدين لأن كثيرا من البنوك الأوروبية ما زال يعتمد على أسعار الفائدة المنخفضة وعلى عمليات الإنقاذ التي قام بها البنك المركزي الأوروبي كي تظل على قيد الحياة. والسياسة المالية هي الأخرى متساهلة، ومن المرجح أن تظل كذلك. من وجهة نظر البنك المركزي الأوروبي، ربما كان اليورو القوي أفضل ضمان لعدم ارتفاع معدل التضخم في وقت لا يزال فيه سعر الفائدة مقيداً.
اليورو القوي من شأنه أن يدعم استمرار فائض الحساب الجاري في ألمانيا. ولن تتبنى البلدان ذات الفائض في حسابها الجاري أبداً سياسات من أجل التخلص من فوائضها. ذلك أن سعر الصرف يقوم بالمهمة عنها. إن إعلان الأسبوع الماضي عن حدوث انخفاض مفاجئ في الصادرات الألمانية خلال آب (أغسطس) يقول لي إن الآمال بانتعاش آخر تقوده الصادرات، كما حــدث في 2006، هي آمال غير واقعية. وأتوقع حدوث انخفاض كبير في فائض الحساب الجاري لألمانيا في بعض السنوات المقبلة. وبالنسبة لمنطقة اليورو أتوقع حدوث انخفاض لا بأس به، ليس مفرطاً، في فائض الحساب الجاري.
إن الهدف المعقول المتمثل في اقتصاد عالمي أكثر توازناً ينسجم انسجاماً تاماً مع دولار أضعف ويورو أقوى. إنني لا أحاول أن أقدم توقعاً لما يمكن أن يحدث في المدى القصير. أسواق العملات في حالة جنون وسبق أن أخطأت مرات كثيرة جداً في توقعاتي. لكن ما يولد قناعة لدي بأن قيمة الدولار ستنخفض أكثر هو أن السياسة والاقتصاد يدفعان في الاتجاه نفسه.
لا يمكن لأسعار العملات أن تحل مشكلة الاختلالات العالمية. فهي لم تحلها في الماضي، ولذلك إصلاح النظام النقدي العالمي ضروري لتحقيق توازن مستدام. إنني أتفق مع آراء فريد بيرجستين، مدير معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في واشنطن، بأن العالم لا بد أن يتحرك في النهاية تجاه أهداف قصوى بخصوص الاختلالات في الحسابات الجارية.
وهو يقترح في مقال سوف ينشر لاحقاً في مجلة فورين بولسي Foreign Policy أن يكون سقف العجز في الحساب الجاري بالنسبة إلى الولايات المتحدة 3 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. ويقول أيضاً إن لعب الدولار دورا عالميا أقل يخدم مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية على أفضل وجه، لأن استمرار الاختلالات يؤدي في النهــاية إلى حدوث زعـــزعــة لا يمكن تحملها، بغض النظر عما إذا تم تمويل هذه الاختلالات أو لم يتم.
هناك عدة مقترحات حول كيفية تحقيق ذلك، مثلا عبر إيجاد سلات احتياطي خاصة، أو باستخدام حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي. وأتوقع ألا نرى أيا من هذين الأمرين، لكننا سنرى تحركاً باتجاه نظام مزدوج يكون فيه الدولار واليورو عملتي الاحتياطي العالمي كأمر واقع.
إن تصاعد الدور الذي يلعبه اليورو، والذي هو أصلاً دور هائل، ليس انعكاساً لقوة اقتصاد منطقة اليورو، لكنه انعكاس لسيولة أسواق السندات فيها ولحاجة المستثمرين الأجانب للتنويع.
ومن المهـم عدم الخلط بين الدور الدولي الذي تلعبه إحدى العملات وسعر صرفها في أي وقت بعينه. لكن في حالة الدولار، هناك علاقة بينهما. ذلك أن انخفـاض سعـر صــرف الدولار سيكـون إسهــاماً مفيداً جداً في التوازن العالمي. وهناك حاجة لإصلاح النظام النقدي العالمي من أجل ضمان عدم عـــــودة الاختلالات. لم نصل إلى هذا الهدف حتى الآن، ولسنا حتى قريبين منه. غير أن بعض الأدوات بدأت تظهـــر بشكل بطيء لقيــــاس ما يتحقق في سبيل الوصول إليه.