في جلسات استماع عقدت في واشنطن كانت لدى المديرين التنفيذيين الذين أدلوا بشهاداتهم آراء قاسية في وكالات التصنيف الائتماني. «لقد تسببت وكالات التصنيف في أزمة الثقة هذه»، قال أحدهم. وقال آخر: «إنها لم تعط نوعية فريق الإدارة وقدراته حقه من الفحص والتمحيص». ورد أحد المديرين التنفيذيين في وكالة ستاندار آند بورز، وهي واحدة من وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الكبيرة: «اعتقد أننا كبش فداء سهل».
لم تؤخذ هذه الاقتباسات من جلسات الاستماع الساخنة التي عقدها الكونغرس أخيرا حول أزمة الائتمان، رغم أن العديد من الآراء المشابهة تم التعبير عنها، بل وردت في جلسات استماع عقدت قبل سبع سنوات عندما تعرضت الجهات التي تتداول في الطاقة لسلسلة من التخفيضات الحادة لتصنيفها في أعقاب إفلاس شركة إنرون.
في ذلك الوقت كان هناك دفع قوي باتجاه ممارسة مزيد من الرقابة على شركات التصنيف الائتماني التي تتولى تحليل أدوات الدين وتقيِّم احتمال عدم قدرتها على الوفاء بالالتزامات المترتبة عليها. ورغم وجود كثير من وكالات التصنيف الصغيرة حول العالم، إلا أن وكالات موديز لخدمة المستثمرين، وستاندار آند بورز، وفيتش تهيمن على هذا العمل.
اكتسبت التصنيفات الائتمانية التي صدر أولها عن وكالة موديز قبل 100 عام، أهمية متزايدة لأن الديون كانت تباع لمجموعة متزايدة باستمرار من المستثمرين الذين يراوحون من أفراد في الولايات المتحدة إلى مؤسسات حول العالم. وأصبحت هذه التصنيفات بصورة أساسية لبنات البناء لأسواق الدين العالمية.
يقول سانجيف هاندا، مدير إدارة الدخل العام الثابت في شركة TIAA-CREF التي تدير أصولاً تبلغ قيمتها 363 مليار دولار: «يوجد في السوق كثير من أدوات الدين المختلفة. بالنسبة للأسهم، يوجد سعر واحد يتم الإعلان عنه كل يوم. أما في الدخل الثابت، فالتسعير أكثر تعقيداً وقد ساعدت التصنيفات الائتمانية في تبسيط العملية. وهذا له كثير من الآثار المفيدة، لكن له مساوئه أيضاً، مثل اعتماد البعض على التصنيفات».
وصل الاعتماد على التصنيفات الائتمانية درجة الحمى في الفترة الماضية. وأوجد النظام المالي العالمي تصنيف AAA وأعيد تغليف قروض الرهن السكني وغيرها من القروض – بما فيها كثير من القروض رديئة النوعية مثل قروض الرهن عديمة الملاءة - وإعطاؤها مسميات جديدة باعتبارها ديناً فائق الجودة.
وكما قال لويد بلانكفين، الرئيس التنفيذي لبنك جولدمان ساكس، في مجلس المستثمرين المؤسسيين في نيسان (أبريل): «في كانون الثاني (يناير) 2008 كانت هناك 12 شركة تحمل تصنيف AAA في العالم. وفي الوقت نفسه كانت هناك 64 ألف أداة تمويل مهيكل، من قبيل فئات التزامات الدين المضمونة بضمانة إضافية، حاصلة على تصنيف AAA».
والآن يأتي إصلاح النظام في مقدمة الأمور التي تشغل بال الناس، بعد أن تبين أن مئات مليارات الدولارات من الخسائر التي راكمها النظام المالي العالمي نشأت إلى حد كبير عن الأوراق المالية الحاصلة على تصنيف AAA. وتم تخفيض تصنيف كثير من التزامات الدين المضمونة بضمانة إضافية تلك وغيرها من الأدوات الحاصلة على تصنيف AAA والتي لم تعد تساوي شيئاً الآن. وفي كثير من الأحيان النماذج التي كانت تقيِّم المخاطر التي تنطوي عليها تلك الأوراق الحاصلة على أعلى التصنيفات لم تضع في اعتبارها إمكانية، أو احتمال انخفاض أسعار المنازل في الولايات المتحدة.
وسار كثير من المستثمرين والبنوك والجهات التنظيمية مع التيار وكان هناك اعتماد كبير على تصنيفات AAA الممهورة بخاتم وكالات التصنيف.
والاعتماد على التصنيفات الائتمانية يتجاوز النظام المالي الأمريكي. فقد شجعت الجهات المسؤولة عن تنظيم عمل القطاع المصرفي هذا الأمر عبر طلبها من البنوك الاحتفاظ برأسمال أقل مقابل موجوداتها الحاصلة على تصنيف AAA.
يقول ماثيو إلدرفيلد الرئيس التنفيذي لسلطة النقد في برمودا: «كان هناك عدد مقلق من الحالات التي لم يتم فيها القيام بأي تحليل عدا النظر إلى التصنيف الائتماني».
إن أنموذج العمل الذي تستخدمه وكالات التصنيف الرئيسية والذي تدفع فيه الجهة المصدرة – كان أنموذج الدفع من قبل المستثمرين منبوذاً ظاهرياً بعد أن جعل التصوير السهل من الصعب فرض الدفع – يوجد تعارضاً في المصالح. فبعد فحص دقيق لهذه المشكلة خلصت هيئة الأوراق المالية والبورصات والمجلس التشريعي إلى أن البدائل ليست كاملة هي الأخرى، لأسباب ليس أقلها أنه قد لا يكون لدى المستثمرين استعداد للدفع. ويتركز الأمر الآن على تدبر هذا التعارض وإعطاء مزيد من المعلومات حول الممارسات.
وناحية أخرى يركز عليها الاصلاح هي ممارسة «التسوق التصنيفي»، حيث تقوم الجهات المصدرة للدين باختيار الوكالات التي تعطي أعلى التصنيفات.
لقد اتخذت وكالات التصنيف الائتماني الإجراءات الكفيلة بتحسين عملياتها وإتاحة مزيد من المعلومات للجهات الخارجية. وتحاول الجهات التنظيمية، كهيئة الأوراق المالية والبورصات، التقليل من استخدام الجهات التنظيمية للتصنيفات. لكن ما زال أنموذج العمل الأساسي على حاله حتى الآن.
ويؤيد بيتر أبيرت، المحلل في شركة بايبر جافري «القضية القوية» الخاصة بوكالتي موديز وستاندار آند بورز، مشيراً إلى أنهما تفيدان من المبالغ القياسية لإصدارات سندات الدين التي تقوم بها الشركات والحكومة في هذا العام، والتي يحمل معظمها تصنيفات.
ويريد روبرت دوبيلاس، الرئيس التنفيذي لوكالة رِيال بوينت، إحدى وكالات التصنيف الائتماني الصغيرة، أن تستنبط هيئة الأوراق المالية والبورصة الطرق الكفيلة بتوزيع هذا العمل. وأحدى الأفكار المطروحة هي أن تقوم هيئة الأوراق المالية والبورصة بفرض تصنيف الاتفاقيات الجديدة من قبل وكالة مؤهلة مداورة، الأمر الذي يترك الجهة المصدرة تبحث عن جهة للحصول منها على تصنيف واحد.
وبحسب دوبيلاس «لا يمكن أن يحدث تغيير حقيقي إلا إذا عالجنا حقيقة أن 90 في المائة من عمل التصنيفات تقوم به ثلاث وكالات».
ويبقى هناك التركيز الكبير على مسألة مدى اعتبار وكالات التصنيف مسؤولة عن أعمالها. فالقطاع يواجه عشرات القضايا، مع استهداف مستثمرين مثل شركة كالبرز لأخطاء وكالات التصنيف المتعلقة بالأوراق المالية المدعومة بالرهون. في الماضي كانت القضايا، أو الدعاوى المرفوعة على شركات التصنيف تمنى بالفشل لأن التصنيفات تعتبر رأياً. وربما يكون هذا الأمر من النواحي التي سيطالها التغيير.
يقول جويل سيليجمان، مؤرخ هيئة الأوراق المالية والبورصة ورئيس جامعة روشستر: «من الواضح أنه كانت هناك عمليات تحليل. لكن هناك سبباً لوجود التصنيفات الائتمانية لدينا، وهذا السبب هو صعوبة قيام المستثمرين من شرائح عديدة بالتمحيص اللازم لآلاف الأدوات المختلفة. إن هناك تحدياً كبيراً لأن الحاجة إلى التصنيفات لن تتلاشى».
ومع استمرار الجدل، من المحتمل أن تكون هناك مناقشات ساخنة. ويقول هاندا: «كثير من المشاكل التي تواجهها هذه الصناعة معقدة جداً والناس تريد حلولاً بسيطة. لكن هناك درساً بسيطاً واحداً استفدناه من الأزمة وكنا ننادي به دائماً. وهذا الدرس هو لا تقدم أبداً على شراء شيء لا تفهمه، سواء كان حاصلاً على تصنيف أم لم يكن».