فرانسيسكو جوريرا
تيك توك، تيك توك، تيك توك (...) هل تسمع ذلك؟ إنه العد التنازلي باتجاه الأزمة المالية المقبلة. وأنا شخصياً أكره أن أقول هذا بعد أن بدأت براعم الازدهار في الظهور للتو – اجتاز مؤشر داو حاجز 10000 آلاف نقطة الأسبوع الماضي، وتعلن البنوك عن أرباح وفيرة، ولم ينته الانكماش الأمريكي بعد – لكن ثمة سبب لتسميتها «دورة».
إن الوصفة التي تغير ثروات وقتنا الحاضر إلى كوارث الغد هي وصفة مألوفة.
إذا أضفنا قليلا جدا من المخاطر هنا، ورذاذ «الابتكار» المالي هناك، ثم نتبلها بالجشع حسب المذاق، ونتركها تغلي لسنوات قليلة، ثم قبل أن تدرك الأمر، ستكون بين يديك أزمة ساخنة ناضجة تماماً.
المستثمرون، والمصرفيون، والمنظمون يعرفون ذلك، لكنهم يتجاهلونه إلى أن تعزف الموسيقى ــ باستخدام الكلمات الأخيرة الشهيرة لتشاك برينس من سيتي جروب. وحين تتوقف الموسيقى فعلياً، وهي تتوقف دائماً، فإن رد الفعل بين المنظمين والسياسيين هو أن يبدو متشددين، ويطالبون «بإجراء جذري» للتأكد من «عدم حدوث هذه الفوضى مرة أخرى». لم تكن أزمة 2007/2008 تختلف على الإطلاق. فالكونغرس والإدارة يتشاحنان بشأن الإصلاحات الكبيرة التي تشمل منح الاحتياطي الفيدرالي صلاحيات جديدة لتفكيك المؤسسات المالية الكبيرة. وتنشغل الهيئات الدولية بوضع القوانين بشأن كل شيء، من رواتب المصرفيين إلى متطلبات رأس المال، ونسب الاستدانة. هذه الفورة من النشاط تصلح لدراما كوميدية سياسية مسلية، لو لم تكن مضيعة للوقت والموارد التي يجب تخصيصها لتخفيف صدمة الأزمة المقبلة.
الإصلاح التنظيمي الأمريكي الشامل، الذي تجري مناقشته، هو القضية. وتماما مثل زملائهم في وزارة الداخلية، الذين أجبروا المسافرين على المرور خلال مجسات معدنية بأقدام عارية بعد إعاقة مؤامرة تفجير بواسطة حذاء، فإن الشرطة المالية تقبع خلف المنعطف.
تركز معظم القوانين التي يجري النقاش فيها على نحو محموم، على البنوك الكبيرة المشهورة. وهذا تضليل أساسي. فقط لأن سيتي وشركاءه كانوا متهمين، وضحايا لهذه الأزمة، فإن ذلك لا يعني أنهم سيتسببون في الأزمات اللاحقة. وعلى الأرجح إلى حد كبير أن يأتي الانفجار التالي من زاوية أقل انتشاراً من العالم المالي.
سوء الإدارة، والجشع، وعدم الكفاءة، جميعها تشبه الحرباء: إنها تتحول إلى أي شكل يمكّنها من أن تهرب من التدقيق.
من فقاعة بحر الجنوب إلى الانهيار الذي حصل في عام 1929، فإن لونج تيرم كابيتال مانجمينت وإنرون، شريرا الدراما المالية، غيرا أشكالهما باستمرار. وبناءً عليه، حتى إذا قمت بدور الشرطي ونظرت في المرآة الخلفية، كما يفعل السياسيون، فإن عليك أن تبحث خارج نطاق البنوك.
المنطق يعزز هذا الاعتقاد. فإذا تشدد المنظمون إزاء البنوك، سيقللون احتمال أن تأتي المشاكل من ذلك القطاع، لكن ربما يشجعون السلوك المتهور في قطاعات أخرى. ومثل ذلك النقل للمخاطر يحدث فعلياً. ففي الوقت الذي تنسحب فيه البنوك من أنشطة الأعمال القوية، مثل تداول العقارات والتمويل المهيكل، لتوقعها فرض قوانين أشد، فإن صناديق التحوط والمؤسسات الأخرى الأقل خضوعاً للتنظيم تحل محلها. والسبب بسيط للغاية: الأنشطة عالية المخاطر تجلب الوعد بعوائد عالية. وهي مهمة خطرة، لكن ينبغي على شخص ما القيام بها. وكان أفراد «نظام مصرفية الظل» منشغلين بنفخ مكاتبهم بالتداول والإقراض لسد فراغ الاستدانة الذي تركته البنوك. وهناك بعض البيانات المخيفة: تحتفظ المنشآت من غير البنوك بنحو نصف جميع «القروض المتعثرة» في الولايات المتحدة، على الرغم من أنها تشكل 21 في المائة فقط من إجمالي الإقراض. والأسوأ من ذلك أن أكثر من قرض واحد من بين كل ثلاثة قروض أصبح معدوماً في 2009، مقارنة بنحو 11.5 في المائة فقط بالنسبة للبنوك الأمريكية.
ولأن جميع العيون التنظيمية على البنوك، فإن منافسيها الأكثر تكتماً يخزنون مخاطر انفجار جديد. وعلى الصعيد النظري، يجب تقييد صناديق التحوط الضخمة بواسطة قدرة الاحتياطي الفيدرالي على مراقبة أي مؤسسة تعتبر مهمة على صعيد «النظام برمته». لكن في الواقع العملي، فإن إبقاء القيود على المجموعات التي تكشف القليل عن ذواتها سيكون صعباً. وهناك دائماً احتمال أن يكون مركز الأزمة المقبلة صندوق تحوط متوسط الحجم تجعله شبكته من علاقات التداول «مهماً على صعيد النظام برمته» – بير شتيرنز عالم صناديق التحوط .
في الوقت الذي تدق فيه الساعة بشكل حتمي باتجاه كارثة أخرى، فإن المنظمين والسياسيين يفعلون خيراً بنشر شبكتهم على نطاق أوسع من المشتبه بهم المعتادين.