جون بلندر
إذا كان من فائزين في الأزمة المالية، فإن كثيرين منهم موجودون بطبيعة الحال في آسيا. وفي ظل اختلال الاقتصاد الأمريكي بفعل وول ستريت، ينظر إلى الصين على نطاق واسع على أنها الجهة الأولى المختارة عالمياً. ولم يكن التحول في هذا المشهد من نصيب التوازن الجيوبوليتيكي وحده، لكن تدفقات المحافظ الاستثمارية أيضا تتبع هذا التوجه. فمرحباً بالواقع الاستثماري الجديد.
مثلما هو الحال بالنسبة إلى معظم الحكمة التقليدية، فإن هناك عنصراً للحقيقة في ذلك. فمركز الصين المالي قوي للغاية بالنسبة إلى الغرب، وتعافيها كان سريعاً للغاية. وتم تجنيب هذه المنطقة عموماً عوامل رعب الأزمة المصرفية، بعدما عاشت تحت نيران أزمة مالية في 1997/1998.
إن الأزمة هي في تحويل النمو الاقتصادي إلى عودة للاستثمار. ولم تكن شنغهاي بمثابة منجم ذهب للمستثمرين. يلاحظ تشارلز دوما من لومبارد ستريت ريسيرش، أنه بعد حالات الصعود والهبوط العنيفة خلال العامين الماضيين أصبح مؤشر شنغهاي المركب في منتصف أيلول (سبتمبر) يعادل نحو 3.5 – 4 ضعف المستوى الذي كان عليه قبل 15 عاماً، حين كان يدر مكاسب سنوية بنسبة تراوح بين 8.5 و9 في المائة.
إن ذلك، كما يضيف ـ وهو على حق في ذلك ـ أمر كئيب تماماً في بلد ذات معدل نمو حقيقي سنوي يبلغ 10 في المائة، أو معدل نمو اسمي بنسبة 15 في المائة. ومن الخطورة للغاية العودة إلى ذلك في ظل التقلبات الضخمة لأسعار الأسهم الصينية. والقصة مشابهة في معظم أنحاء آسيا، مع استثناء ملحوظ لكل من الهند وهونغ كونغ.
لمعرفة إن كان أداء المستثمرين سيكون أفضل مستقبلا، يجدر بنا عقد مقارنة مع اليابان في الثمانينيات، حين كان اندفاع النمو الياباني القائم على الصادرات في ذلك الوقت يتعرض للمشاكل. وبصورة مفاجئة، أصبح أنموذج ينجح جيداً في اقتصاد صغير، وصفة لاحتكاك تجاري مع الولايات المتحدة وأوروبا، بينما تحولت اليابان إلى عملاق اقتصادي عالمي. واتضح إفلاس الأنموذج في ذلك الوقت من خلال انهيار سوق الأسهم، ووجود فقاعات القطاع العقاري، وما نتج عن ذلك من إخفاق مصرفي كامل.
لم تكن رأسمالية الشركات اليابانية خلال الطفرة صديقة تماماً لحملة الأسهم. وكانت الشركات تدار بصفة رئيسية من أجل ربح الإدارة والموظفين. وكانت هناك أرباح قليلة تدفع للأفراد من خلال توزيعها عليهم، ولم تكن الإدارة عرضة للمساءلة أمام حملة الأسهم.
رغم ذلك اشترى المستثمرون المحليون والأجانب الأسهم بحماس وتمت مكافأتهم من خلال نمو رأس المال. وأصبح حماسهم عقيدة قوية محققة لذاتها. وكما كان الحال بالنسبة إلى برنامج برنارد مادوف الاحتيالي على طريقة بونزي، سار كل شيء على ما يرام طالما أن المستثمرين استمروا في وضع أموالهم في السوق. ثم انفجرت الفقاعة ومن حينها لم تعد الأسهم إلى أي نقطة قريبة من قيمتها في زمن الازدهار.
إن الصين في الوقت الراهن شريك غير مريح بالدرجة ذاتها لاقتصادات العالم المتقدم. فأنموذج النمو الذي تقوده الصادرات فيها، المدعوم بسعر صرف متدن، يتسبب في احتكاك تجاري متزايد، بينما يزداد تراكم مدخراتها الفائضة بالدولار بمعدل أكثر مما كانت تزيد بخ الفوائض اليابانية في الثمانينيات ـ أو في الوقت الراهن.
كذلك طريقة تناول الرأسمالية معادية نسبياً لمصالح حملة الأسهم. وأنموذج مواقع السيطرة العائلية يعني احتمال أن يتضمن القطاع المسعر تناقضاً دائماً مع حملة الأسهم الخارجيين، الذين يتغيرون على الدوام نتيجة لعمليات غامضة خاصة بالحزب الشيوعي. ويزداد غموض وصعوبة المساءلة أكثر فأكثر بوجود مسؤولي الحزب الشيوعي الذين يستطيعون التهديد باستخدام القوة من مستويات أدنى من مستوى مجالس الإدارات.
إن الصين ليست في وضع قريب من حل العقدة، مماثل لما واجهته اليابان في التسعينيات. فهي تظل دولة نامية لديها إمكانيات مثيرة للتوقعات. واستجابتها التوسعية المتميزة على الطريقة الكينزية للانكماش العالمي أعادت الاقتصاد مرة ثانية إلى أعلى مواضع القوة الدافعة.
أما الأجل القصير، فهو أشد تعقيداً. فالولايات المتحدة وغيرها من دول العجز ستزيد الادخار وتتسامح مع ضعف في العملات إلى حين. وليست لدى اليابان وألمانيا رغبة في العودة إلى وضع الدول المصدرة الصافية. إن أكبر دول العالم لا تستطيع أن تكون جميعها دولاً مصدرة صافية.
بالنسبة إلى الصين، لا يمكنها الاستمرار في توسع مالي منحاز بشدة باتجاه الاستثمار شبه المثالي. وإذا لم تعد موازنة اقتصادها باتجاه زيادة الاستهلاك المحلي ستواجه تعديلاً أصعب يتوافق مع بيئة عالمية أشد عداءً، الأمر الذي يؤدي إلى نمو محلي أدنى وزيادة معدل البطالة. ويبدو أن من المحتمل استمرار تقلب سوق الأسهم في ظل مشكلة التحول المحرجة هذه. وهناك مخاطر مرافقة لذلك تتمثل في الفقاعات، والانفجارات، والفضائح الحكومية.
أكثر من ذلك، ربما يكون من الحماقة اعتبار الولايات المتحدة دون أهمية. ونظراً لأنها قادرة على وضع سياسة مالية متوسطة الأجل، وذات صدقية، فإن لديها في ذلك مزايا ضخمة: سجل إنتاجية ممتاز، ووضع ديمغرافي (سكاني) حميد نسبياً، وأعلى أسواق العمل في العالم المتقدم مرونة، وشرعية مستمدة من العملية الديمقراطية.
هذا لا يعني أن الأداء الصيني كان رديئاً. وبالنسبة إلى بلد في مرحلة يخرج فيها من وسط أزمة اقتصادية عالمية، فإن اتجاهه اللينيني الاستشاري أظهر أنه قوي للغاية. أما عن وضعها بينما ينضج اقتصادها، وكيفية مواجهتها للظروف السكانية السلبية الناجمة عن سياسة طفل واحد لكل أسرة، فهو أمر آخر. إن تحول القوة الاقتصادية باتجاه الشرق ظاهرة معقدة لا يمكن استخلاص درس استثماري بسيط منها.