شهادة المحلل الفنى المعتمد CFTe1 - مستوى أول

إعلانات تجارية اعلن معنا



النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: موضوع منقول لكنه في منتهى الاهمية ( امريكا والعالم )

  1. #1

    افتراضي موضوع منقول لكنه في منتهى الاهمية ( امريكا والعالم )



    سلسلة جميلة قام بكتابتها الاخ محمد الفارس عن الأزمات المالية الأمريكية نشرتها صحيفة الخليج الاماراتية واليكم هذه الحلقات

    أمريكا والعالم على وقع 3 كسادات اقتصادية كبرى ... (1)


    مرّ الآن عام كامل على بدء الأزمة الاقتصادية العالمية التي أدت إلى انهيار كبريات المؤسسات المالية والتجارية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وبقية دول العالم، وربما لم تسلم دولة من دول العالم سواء كانت غنية أو فقيرة من تلك الأزمة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومنذ بدء تلك الأزمة أو بمعنى أصح الزلزال الهائل في سبتمبر/أيلول 2008، والعالم يقف مذهولاً أمام الانهيارات المتتالية للمصارف العريقة، وشركات العقارات الضخمة، ومصانع السيارات، وشركات الاستثمار، والبورصات، وغيرها كثير مما لا يمكن حصره، ورغم أن العالم شهد أزمات اقتصادية متعددة، إلا أن أهم تلك الأزمات هي التي وقعت في الولايات المتحدة، وتأثرت بها بقية دول العالم، ويبدو أنه كُتب على العالم

    أن يذوق المرارات التي تذوقها أمريكا منذ بروزها كقوة اقتصادية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأن يذوق أيضاً مرارات أمريكا التي لا يكاد يسلم منها بلد في العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى الآن . ومعظم الاقتصاديين والمؤرخين يركزون على الكساد العظيم الذي ضرب أمريكا عام 1929، ولا يشيرون إلى كساد آخر قبله حدث في الولايات المتحدة عام 1873، وربما يعود ذلك إلى أن أمريكا في تلك الفترة لم تكن قد بدأت التأثير في اقتصاديات العالم، ولكن الوقائع التاريخية تشير إلى تأثر بعض دول أوروبا من ذلك الكساد الذي استمر في أمريكا منذ عام 1873 حتى عام 1879، ولمدة 6 سنوات كاملة، ولكن آثاره استمرت بعد ذلك لفترة طويلة .

    لا شك أن الأرقام المالية التي شكلت خسائر في تلك الفترة لا تقارن بما حدث في عام 1929 عندما انهار السوق المالي في نيويورك وعم الكساد جميع دول العالم طوال فترة الثلاثينات، رغم الاعلان عن انتهاء الكساد عام ،1933 إلا أن آثار ذلك الكساد استمرت حتى الحرب العالمية الثانية التي اندلعت عام ،1939 ويقال إن الولايات المتحدة دخلت الحرب للخروج من نفق الكساد المظلم الذي أثر على جميع مناحي الحياة في أمريكا، وأدى إلى تدهور الاقتصاد وانتشار الفقر بين ابناء المجتمع الأمريكي بشكل كبير بعد أن اغلقت الكثير من المصانع والمؤسسات التجارية أبوابها، واخذت طوابير الفقراء الذين يحصلون على وجبات مجانية تزداد يوماً بعد آخر في جميع الولايات . وبنفس الوقت فإن الأرقام المذهلة التي تقدر كخسائر مالية في الأزمة الحالية لا تقارن بما حدث في عام ،1929 حيث نسمع يومياً عن أرقام لا نعرف عدد أصفارها من كبر حجمها، وسنحاول أن نتعرف على الأزمات التي ضربت الولايات المتحدة وتأثيرها على العالم، وهما بالتحديد الكساد الذي حدث عام 1873 وآثاره، والكساد العظيم عام 1929 مع بعض المقارنة مع ما يحدث في وقتنا الحالي . ولكن يتوجب على القارئ أن يعرف أن قراءة التاريخ الاقتصادي للدول، خاصة فيما يخص الأزمات الاقتصادية توجب طرح الكثير من المصطلحات والتعريفات الاقتصادية حتى يمكننا معرفة أسباب تلك الأزمات وتطوراتها، ولذا، فسنبدأ قبل الحديث عن الكساد الذي عمّ أمريكا عام 1873 بإعطاء نبذة تعريفية للقارئ عن الفرق بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي، وكيفية نشوء المؤسسات المالية التي اصبحت تطغى مع مرور الوقت على مؤسسات الاقتصاد الحقيقي، وقادت إلى الكوارث وخاصة خلال الكساد العظيم عام 1929 والكساد الحالي الذي بدأ عام 2008 ولا أحد يعرف متى ينتهي، رغم الحديث اليومي في صحف العالم عن بوادر انفراج قريبة .

    الاقتصاد العيني والاقتصاد المالي:

    لم يشهد العالم أزمات مالية حادة عندما كان التعامل الاقتصادي بين الناس يتم بطرقه القديمة من بيع وشراء في مختلف انواع السلع، وكانت تمر أزمات أو كوارث طبيعية أو مجاعات تشل الحركة الاقتصادية لفترة من الوقت، ولكن ظهور الاقتصاد المالي أدى إلى بداية حدوث الأزمات الاقتصادية، وتتطلب البداية أن نفهم أن هناك تفرقة أساسية بين ما يمكن أن نطلق عليه “الاقتصاد العيني أو الحقيقي” وبين “الاقتصاد المالي”، فأما الاقتصاد العيني، وهو ما يتعلق بالأصول العينية، فهو يتناول كل الموارد الحقيقية التي تشبع الحاجات بطريق مباشر مثل السلع الاستهلاكية، أو بطريق غير مباشر مثل السلع الاستثمارية، فالأصول العينية هي الأراضي والمصانع والطرق ومحطات الكهرباء، وهي أيضاً القوى البشرية، وبعبارة أخرى هي مجموع السلع الاستهلاكية التي تشبع حاجات الإنسان مباشرة من مأكل وملبس وترفيه ومواصلات وتعليم وخدمات صحية، ولكنها ايضا تتضمن الأصول التي تنتج هذه السلع الاستثمارية من مصانع وأراض زراعية ومراكز للبحوث والتطوير . . الخ، وهكذا، فالاقتصاد العيني أو الاصول العينية هو الثروة الحقيقية التي يتوقف عليها بقاء البشرية وتقدمها، وإذا كان الاقتصاد العيني هو الاساس في حياة البشر وسبيل تقدمهم، فقد اكتشفت البشرية منذ وقت مبكر أن هذا الاقتصاد العيني وحده لا يكفي، بل لا بد أن يزود بأدوات مالية تسهل عملية التبادل من ناحية، والعمل المشترك من أجل المستقبل من ناحية أخرى، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ادوات أو وسائل تسهل التعامل في الثروة العينية، لعل أولى صور هذه الأدوات المالية هي ظهور فكرة الحقوق على الثروة العينية، فالارض الزراعية هي جزء من الثروة العينية، وهي التي تنتج المحاصيل الزراعية التي تشبع حاجة الإنسان من المأكل وربما السكن واحيانا الملبس، ولكنك إذا اردت أن تتصرف في هذه الارض، فإنك لا تحمل الارض على رأسك لكي تبيعها أو تؤجرها للغير، إنما كان لا بد للبشرية أن تكتشف مفهوماً جديداً اسمه “حق الملكية” على هذه الأرض فهذا “الحق القانوني” يعني أن يعترف الجميع بأنك “المالك” الوحيد صاحب الحق في استغلال هذه الارض والتصرف فيها .


    ظهور الأصول المالية تاريخياً وبروز أهميتها في التداول:

    وهكذا، بدأ ظهور مفهوم جديد اسمه “الاصول المالية” Financial Assets باعتبارها حقاً على الثروة العينية، وأصبح التعامل يتم على “الاصول المالية” باعتبارها ممثلاً للأصول العينية، فالبائع ينقل إلى المشتري حق الملكية، والمشتري تنقل إليه الملكية العينية من المالك القديم بمجرد التعامل في سند الملكية، واصبح التعامل الذي يتم على هذه الاصول المالية (سندات الملكية) كافياً لكي تنتقل ملكية الاصول العينية (الارض) من مالك قديم إلى مالك جديد، ولم يتوقف الامر على ظهور أصول مالية بالملكية، بل اكتشفت البشرية ان التبادل عن طريق “المقايضة” ومبادلة سلعة معينة بسلعة عينية أخرى أمر معقّد ومكلف، ومن ثم ظهرت فكرة “النقود” التي هي اصل مالي، بمعنى انها بمنزلة “حق” ليس على أصل بعينه (أرض معينة أو سلعة معينة) وإنما هي حق على الاقتصاد العيني كله، فمن يملك نقوداً يستطيع ان يبادلها بأية سلعة معروضة في الاقتصاد، أي ان “النقود” اصبحت أصلاً مالياً يعطي صاحبه الحق في الحصول على ما يشاء من الاقتصاد، أي من السلع والخدمات المعروضة في الاقتصاد، والنقود في ذاتها ليست سلعة، فهي لا تشبع الحاجات، فهي لا تؤكل، ولا تشبع حاجة الملبس أو المسكن أو غير ذلك من متاع الحياة، فقط الاقتصاد العيني من سلع وخدمات يسمح بذلك ولكن النقود باعتبارها حقاً على الاقتصاد العيني، تسمح بإشباع الحاجات الحقيقية بمبادلتها مع الاصول العينية (السلع)، أي أن النقود هي أصل مالي أو حق على الاصول العينية، فهي ممثل عن الاقتصاد العيني، ولكن وجودها والتعامل بها يساعدان على سهولة التبادل والمعاملات في السلع العينية، ولم يتوقف تطور “الأصول المالية” على ظهور حق الملكية أو ظهور النقود كحقوق مالية على موارد عينية محددة أو على الاقتصاد في مجموعه، بل اكتشفت البشرية ايضا ان الكفاءة الاقتصادية تزداد كلما اتسع حجم المبادلات، ولم يعد مقصوراً على عدد محدود من الأفراد أو القطاعات، فالقابلية للتداول Negotiability ترفع القيمة الاقتصادية للموارد، ومن هنا ظهرت اهمية ان تكون هذه الاصول قابلة للتداول، وبشكل عام، تأخذ هذه الاصول المالية عادة أحد شكلين، فهي إما تمثل حق الملكية على بعض الموارد (أرض زراعية أو مصانع أو غير ذلك) أو تأخذ شكل دائنية على مدين معين (فرد أو شركة)، وقد تطورت اشكال الاصول المالية الممثلة للملكية (الاسهم) مع ظهور الشركات المساهمة، كما تطورت اشكال الاصول المالية الدائنة أو “المديونية” مع تطور الاوراق التجارية والسندات، وهكذا جاء ظهور الاوراق المالية من أسهم وأوراق تجارية وسندات، مما زاد في حجم الاصول المالية المتداولة التي تمثل الثروة العينية للاقتصاد، وساعد وجود هذه الاصول المالية المتنوعة على انتشار وتوسع الشركات، وتداول ملكيتها، وقدرتها على الاستدامة، ولكن الأمر لم يقتصر على ظهور هذه الاصول المالية الجديدة (أسهم وسندات وأوراق تجارية) بل ساعد على انتشار تداولها ظهور مؤسسات مالية قوية تصدر هذه الأصول باسمها اصبحت تتمتع بثقة الجمهور، مما أدى إلى زيادة تداول هذه الاسهم والسندات بين الجمهور، فمن ناحية ظهرت البورصات التي تتداول فيها هذه الاصول المالية، مما اعطى المتعاملين درجة من الثقة في سلامة هذه الاصول المالية، ومن ناحية أخرى، فإن المؤسسات المالية الوسيطة (البنوك بوجه خاص) حين تمول الأفراد، فإنها تحل في الواقع مديونية هذه البنوك التي تتمتع بثقة كبيرة لدى الجمهور محل مديونية عملائها، فالعميل يتقدم للبنك للحصول على تسهيل أو قرض أو مديونية هذا العميل للبنك تستند إلى ملاءمة هذا العميل والثقة به، ولكن ما أن يحصل العميل على تسهيل البنك، فإنه يتصرف في هذا التسهيل كما لو كان نقوداً، لأن البنوك تتمتع بثقة عامة في الاقتصاد، وهكذا فإن البنوك تحول المديونيات الخاصة للعملاء إلى مديونيات عامة تتمتع بثقة كبيرة لدى الجمهور، فيقبل عليها المتعاملون لأنهم يثقون في هذه البنوك، وهكذا ادى القطاع المصرفي والقطاع المالي بصفة عامة دوراً هائلاً في زيادة حجم الاصول المالية المتداولة، وزيادة الثقة فيها، ومن هنا بدأت بوادر أو بذور الأزمات المالية، وهي بدء انقطاع الصلة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد العيني، وازداد التوسع المالي بإصدار أنواع متعددة من الأصول المالية المتنوعة بشكل مستقل عن الاقتصاد العيني، واصبحت للأسواق المالية حياتها الخاصة بعيداً عما يحدث في الاقتصاد العيني، ومن هنا تظهر حقيقة الأزمات المعاصرة باعتبارها أزمات “مالية” بالدرجة الأولى نجمت عن التوسع الكبير في الأصول المالية على نحو مستقل إلى حد كبير عما يحدث في الاقتصاد العيني، ويرجع ذلك إلى المؤسسات المالية التي أسرفت في اصدار الأصول المالية بأكثر من حاجة الاقتصاد العيني، ومع هذا التوسع الكبير في إصدار الاصول المالية زاد عدد المدينين، وزاد بالتالي حجم المخاطر إذا عجز أحدهم عن السداد .


    الأزمة الاقتصادية عام 1873:

    عندما بدأت الأزمة الاقتصادية الحالية في سبتمبر/أيلول 2008 تطرق الحديث كثيراً للانهيار الاقتصادي الذي عم الولايات المتحدة ثم العالم في ،1929 ولا يعرف الكثيرون أن أول أزمة أو انهيار اقتصادي في الولايات المتحدة بالحجم الكبير حدث في عام ،1873 وكانت تلك الأزمة الاقتصادية التي استمرت 6 سنوات (من 1873 إلى 1879) هي بداية الأزمات الاقتصادية التي تسبب بها النظام الاقتصادي الحديث الذي تحول جزء كبير منه من اقتصاد عيني يعتمد على البيع والشراء وتبادل البضائع بالمقايضة وغيرها، إلى اقتصاد جديد يقوم على النقود والبورصات والأسهم والسندات كما ذكرنا سابقاً، وهذا النظام الجديد هو المسؤول الرئيسي عن الأزمات الاقتصادية التي تحدث كل عدة سنوات في مناطق متفرقة من العالم، ولكن يبدو واضحاً أن أهم ثلاث أزمات شهدها العالم وكان مصدرها الولايات المتحدة هي على التوالي التي حدثت خلال أعوام 1873 و1929 و2008 ولو دققنا بأسباب تلك الأزمات، سنجد تشابهاً كبيراً في كثير من الأسس والقواعد التي سببت تلك الانهيارات الاقتصادية، مع بعض الاختلاف في الحجم والظروف ويبدو واضحاً أن المشكلات الكبيرة التي تصيب مختلف مناطق العالم، لا تأتي من التمدد والتدخل العسكري للولايات المتحدة فقط، وإنما من سياساتها الاقتصادية المتغيرة، وأدواتها المتجددة التي ما أن تطبق أياً منها، إلا ونجدها قد انتقلت خلال فترة قصيرة إلى أوروبا وبقية دول العالم، ولو بدأنا في الذعر الاقتصادي الذي أصاب الولايات المتحدة عام 1873 وكان بداية لكساد طويل استمر حتى عام ،1879 وشمل الولايات كلها، سنرى أن الذي عجل بهذه الأزمة هو افلاس مؤسسة فيلادلفيا للصرافة في 18 سبتمبر/ أيلول 1873 في أعقاب الانهيار الذي أصاب بورصة فيينا في 9 مايو/ أيار 1873 في النمسا وهو ما يطلق عليه بالنمساوية “انهيار المؤسسين”، ونلاحظ هنا أن سبب تلك الأزمات مؤسسات مالية وليست مؤسسات تعتمد الاقتصاد التقليدي الذي يعتمد على البيع والشراء، ويبدو أن شهر سبتمبر/ أيلول يمثل شؤماً لاقتصاد الولايات المتحدة، فمثلما تسبب انهيار بنك ليمان براذر في بداية الأزمة الحالية في سبتمبر ،2008 كان انهيار مؤسسة فيلادلفيا في نفس الشهر من عام 1873 بداية الأزمة في أمريكا . ورغم أن هذا الكساد كان واحداً من سلسلة أزمات اقتصادية جرت وقائعها في القرن التاسع عشر، إلا أنه يعتبر الأهم والأطول، وقبل هذا الكساد، كان الاقتصاد الأمريكي في حالة تمدد واتساع زائد، وبصفة خاصة في قطاع بناء خطوط السكك الحديدية .

    وهذا التمدد والاتساع شبيه بما حدث قبل أزمة عام ،2008 فقد شهد العالم خلال السنوات القليلة الماضية ازدهاراً اقتصادياً ونمواً هائلاً في قطاعي البورصات المالية والعقارات، وارتفعت الأسعار إلى أرقام فلكية في كل دول العالم، وكانت تلك مقدمة مشابهة لما حدث عام ،1873 ولكن قبل أن تبدأ أزمة ذلك العام، كانت هناك انتكاسات في الاقتصاد الأمريكي، تلت فترة التمدد والاتساع التي شهدها الاقتصاد .


    الانتكاسة الاقتصادية التي سبقت أزمة 1873:


    تمثلت الانتكاسات الاقتصادية في سلسلة من الأحداث وهي ذعر يوم الجمعة الأسود عام ،1869 وحريق شيكاغو عام ،1871 واندلاع انفلونزا الخيول عام 1872 والتوقف عن استخدام الفضة في عمل العملة عام ،1873 والسبب في ذعر الجمعة الأسود كان محاولة اثنين من الاقتصاديين هما جاي جولد وجيم فيسك احتكار سوق الذهب عام 1869 وقد تم منعهما من القيام بذلك بموجب قرار صادر عن إدارة الرئيس الأمريكي جرانت، وبمقتضاه تم الإفراج عن الذهب الحكومي وطرح للبيع . وكانت التجارة الدولية في ذلك الوقت قائمة على معيار الذهب، وهذا يعني أن على التجار عند الشراء من الخارج أو البيع إليه أن يشتروا الذهب لسداد قيمة التعريفات الجمركية، وأن عليهم التحوط في سوق الذهب للحيلولة دون تأثر أرباحهم بالتقلبات الحاصلة في سعر الأورارق النقدية الخضراء، واعتقد جاي جولد أحد أدهى الرجال الذين عرفتهم وول ستريت في تاريخها أنه أمام فرصة ذهبية في هذه الحالة، وفي عام 1869 قرر أن يحتكر الذهب كما ذكرنا سابقاً، ووسيلة الاحتكار هذه لم تكن إلا عبر السيطرة على مجمل عرض سلعة ما، سواء كانت سهماً في إحدى شركات السكك الحديدية أو الذهب لفترة ما من الزمن، وكل من يرغب في شراء تلك السلعة في خلال تلك الفترة سيكون مضطراً إلى دفع الثمن الذي يطلبه صاحب الاحتكار أو أن يتدبر أمره من دون هذه السلعة، وكانت حالات الاحتكار شائعة في وول ستريت في ستينات القرن التاسع عشر، ولكن الشروع في احتكار الذهب جوهر النظام النقدي العالمي في القرن التاسع عشر كان تهوراً مالياً لا مثيل له من قبل، وكان لدى جولد موارد كافية لشراء الذهب المتداول بعدة أضعاف، ووصل الاحتكار ذروته في 24 سبتمبر 1869 الذي عرف منذ ذلك اليوم بالجمعة الأسود . ففي ذلك اليوم جرى نهب وسلب الآلاف، وساد سخط شديد ضد مقترفي أعمال السلب. أما حريق شيكاغو الذي اندلع يومي 8 و9 اكتوبر/ تشرين الأول ،1871 فقد تسبب في خسارة مقدارها حوالي 200 مليون دولار في الممتلكات العامة جراء ألسنة اللهب التي التهمت منطقة مساحتها أربعة أميال مربعة، وتفاقمت نتائج ذلك الحريق بفعل اندلاع حرائق متزامنة في ولاية ويسكونسن، وترتب على ذلك خسائر مالية هائلة .


    إنفلونزا الخيول:


    هناك ثلاثة أوجه تشابه بين الأزمة الاقتصادية عام 1873 والأزمة الحالية، فكلتاهما بدأت في شهر سبتمبر/ أيلول، وفي حين كانت انفلونزا الخيول أحد مسببات أزمة ،1873 تصادف انتشار انفلونزا الخنازير التي أصبحت وباء في وقتنا الحاضر ونحن مازلنا نعاني تبعات الأزمة الاقتصادية التي بدأت في سبتمبر ،2008 أما الوجه الثالث للتشابه فهو أن الأزمتين بدأتا بانهيار بنك، وبالنسبة لاندلاع انفلونزا الخيول، فقد حدث ذلك عام ،1872 وكانت تبعاته واسعة النطاق على الاقتصاد الأمريكي، حتى أنه طال جوانب النقل الأمريكي، وتوقفت تماماً صناعة خطوط السكك الحديدية بالشوارع، ولم تعد مقطورات السكك الحديدية قادرة على مزاولة نشاطها لأن إمدادات الفحم والخشب توقفت تماماً، بل ووصل الأمر إلى خفض أعداد سلاح الخيالة الأمريكي، واقتصار تحركاته على القتال سيراً على الأقدام، ولم يقتصر الضرر على سلاح الفرسان بالجيش الأمريكي، بل وعانى منه الخصوم أيضاً الذين وجدوا أن خيولهم أصابها الوهن بما يستحيل معه خوض أي معارك على ظهورها، وقد أدى تفشي انفلونزا الخيول بهذه الصورة البشعة إلى قيام الرجال بشد العربات بأيديهم بينما ظلت القطارات والسفن وهي محملة بالبضائع دون أن يتم تفريغها، وظلت عربات الترام عاطلة، وتوقف توصيل السلع الأساسية الضرورية، وكان لهذا المرض تأثير واضح في الاقتصاد الأمريكي .


    قانون سك العملة:


    كان من ضمن مقدمات الأزمة الاقتصادية قانون سك العملة عام ،1873 فقد أدى إلى تغيير سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالفضة، فقبل صدور هذا القانون، كانت أمريكا تستعمل الذهب والفضة في سك عملتها حيث صدرت لها عملات دخل فيها المعدنان، ولكن القانون نقل أمريكا إلى معيار الذهب، بمعنى أنه لم يعد بمقدورها شراء الفضة بسعر قانوني، ولا تحويل الفضة إلى عملات فضية وتوقفت عن سك الدولارات الفضية اعتباراً من هذا الوقت، وقد أدى هذا القانون إلى تأثير فوري متمثلاً في هبوط أسعار الفضة، الأمر الذي ألحق الضرر بامتيازات التعدين الغربية التي أطلق أصحابها على القانون “جريمة عام 1873” وقد جرت موازنة هذا التأثير إلى حد ما بإدخال الدولار التجاري الفضي الاستخدام في الشرق، وباكتشاف ترسيبات فضية جديدة في فرجينيا سيتي بولاية نيفادا، بدأت هناك استثمارات جديدة في نشاط التعدين، ومع ذلك، فإن قانون سك العملة أدى إلى تقليل الإمداد النقدي المحلي الأمر الذي ألحق الضرر بالفلاحين، وأي أشخاص آخرين عليهم أعباء ديون ثقيلة، وقد أثار ذلك غضب الشارع وطرح بضعة تساؤلات حول الفترة التي قد تحتاجها السياسة الجديدة للاستثمار، وهذا الانطباع عن عدم استقرار السياسة النقدية الأمريكية تسبب في عزوف المستثمرين عن الالتزامات طويلة الأجل، وبصفة خاصة الصكوك طويلة الأجل .

    كانت تلك مقدمات الأزمة، وتلاها بداية الأزمة بانهيار بنك فيلادلفيا في سبتمبر/أيلول ،1873 ثم دخول الولايات المتحدة في سلسلة من الانهيارات المالية التي أثرت في أوروبا، ثم الدخول في كساد طويل طوال فترة السبعينات من القرن التاسع عشر، فماذا حدث؟

  2. #2

    افتراضي رد: موضوع منقول لكنه في منتهى الاهمية ( امريكا والعالم )

    العالم ينزلق إلى أزمتين اقتصاديتين عامي 1873 و2008 ... (2



    بقلم - محمد الفارس
    أشرنا في الحلقة السابقة إلى ثلاثة أوجه للتشابه بين الأزمة الاقتصادية عام 1873 والأزمة الاقتصادية الحالية، فكلتا الأزمتين بدأت في شهر سبتمبر/ ايلول، وكلتاهما أيضاً بدأتا بانهيار بنك، وفي حين كانت انفلونز الخيول أحد أسباب الكساد الذي تبع أزمة ،1873 نصادف في هذه الأزمة انتشار انفلونزا الخنازير، وليس معروفاً حتى الآن إن كان انتشارها أتى صدفة، أو كما نرى في كثير من المقابلات التلفزيونية مع أطباء ومسؤولين صحيين عالميين من أن هذه الانفلونزا ليست طبيعية وإنما مصنعة في المختبرات لصالح جهات معينة ومؤسسات أدوية عالمية، تريد تعويض خسائرها من الأزمة الحالية .

    عندما بدأت بوادر الأزمة الحالية في سبتمبر ،2008 ثم زاد تفاعلها وبدأت آثارها تظهر تباعاً، شبهها كثير من المؤرخين والاقتصاديين بالأزمة الاقتصادية عام ،1929 ولكن هناك مؤرخين أكثر دقة في التشبيه، فشبهوها بأزمة عام ،1873 ليس فقط في كثير من أوجه التشابه والأحداث التي ارتبطت بالأزمتين، وإنما أيضاً بمسببات الأزمتين، وإذا كنا قرأنا في الحلقة السابقة عن مقدمات أزمة عام ،1873 فسنتناول في هذه الحلقة أسباب الأزمتين المتشابهتين في كثير من جوانبهما وخاصة في أسبابهما، وسنبدأ بأسباب أزمة 1873 ثم نقارنها بأسباب الأزمة الحالية .

    على الرغم من أن الأزمة الاقتصادية عام 1873 بدأت انطلاقتها من أمريكا، إلا أن أسباب تلك الأزمة بدأت في أوروبا التي كانت تتمتع باقتصاد قوي في تلك الفترة، وتتفوق على أمريكا في أمور كثيرة منها الأساس الاقتصادي المتين، والتاريخ الاقتصادي المعروف، والسلع والمنتجات المشهورة، فالاقتصاد الأمريكي في تلك الفترة كان في طور الصعود، وكانت الولايات المتحدة في تلك الفترة تمثل الأمل الجديد والكبير لتحقيق الثروة بإمكاناتها الهائلة والتسهيلات السهلة المقدمة للمستثمرين الراغبين بالهجرة إليها، ولو تتبعنا مسار تلك الأزمة فسنرى من خلال تسلسل الأحداث أن الأسباب بدأت في بعض دول أوروبا، ولكنها انطلقت من أمريكا الى كل دول أوروبا، ولو عدنا إلى بدايات أزمة عام ،1873 فسنلاحظ أن بدايتها كما تشير الدراسات التاريخية كانت في الامبراطورية النمساوية المجرية التي تكونت عام 1867 في الدول التي وحدّتها بروسيا داخل الامبراطورية الألمانية، وبدأت أيضاً في فرنسا التي قدم أباطرتها دعمهم لمؤسسات الإقراض حديثة الظهور والتي أصدرت رهونات لمباني الإسكان، وبصفة خاصة في العواصم الأوروبية، فيينا وبرلين وباريس، وكانت تلك الرهونات سهلة، حيث أصبحت في متناول الجميع، وهذا بدوره أدى لحدوث ازدهار في البناء، وسرعان ما بدأت أسعار الأراضي في الارتفاع بشكل جنوني، وأصبح المقترضون شرهين في أخذ المزيد من القروض مستخدمين المباني غير مكتملة البناء كضمان لدين جديد، وحدثت هذه الفورة بشكل خاص خلال فترة ما يسمى ب”فترة المؤسسين” التي أشرنا إليها في الحلقة السابقة، ورغم هذا الازدهار الشكلي، إلا أن الأسس الاقتصادية لم تكن تمثل حقيقة ذلك الاقتصاد المزدهر، فقد واجه مصدرو القمح من روسيا وأوروبا الوسطى منافسين دوليين جدداً كانت أسعارهم أقل بكثير مما يعرضه هؤلاء المصدرون، هؤلاء المنافسون كانوا فلاحي الغرب الأمريكي الذين استخدموا كل وسائل النقل المتوفرة في ذلك الوقت، وأهمها السفن التجارية لتصدير حمولاتهم من القمح الى خارج أمريكا، وتحولت بريطانيا منذ عام 1871 الى هذا المصدر الرخيص للقمح، ومما زاد من ازدهار الصادرات الأمريكية لأوروبا أن أسعار الكروسين ارتفعت هناك بشكل كبير مما ألحق ضرراً بالغاً بالصناعة، وخاصة الأطعمة المصنعة، وبدأ الركود الاقتصادي يضرب أراضي أوروبا بسبب ارتفاع الأسعار، وبدأ الأوروبيون يعدّون أنفسهم لمواجهة ما أطلقوا عليه اسم “الغزو التجاري الأمريكي” وكان ذلك إيذاناً بوصول قوة عظمى صناعية جديدة، حيث إن أسعار سلع هذه القوة الجديدة بدأت تشكل تهديداً واضحاً للتجارة الأوروبية وطريقة الحياة في أوروبا، ونتيجة لذلك بدأت الكثير من البنوك الأوروبية المتأثرة تغلق أبوابها، وتأثرت كثير من البنوك البريطانية بهذا الوضع وأدى الركود الى ظهور أزمة في الرهون العقارية، وبلغت تكلفة اقتراض أموال من بنوك أخرى، وهو ما يسمى بسعر الإقراض بين البنوك، أسعاراً خيالية، وأصابت هذه الأزمة البنكية الولايات المتحدة في خريف عام 1873 حيث انهارت شركات السكك الحديدية، وكانت تلك قد توصلت الى أدوات مالية معقدة، وكان عائدها ثابتاً، وقد بيعت صكوكها بشكل جيد في البداية، ولكنها تساقطت بعد عام 1871 مع بدء المستثمرين في الشعور بالشك تجاه قيمتها، وتراجعت الأسعار، وقامت العديد من شركات السكك الحديدية بالحصول على قروض بنكية قصيرة الأجل لكي تستمر في مدّ قضبان السكك الحديدية، ولكن مع قفزات أسعار الإقراض، ووصولها لمعدلات غير مسبوقة عبر الأطلنطي عام ،1873 أصبحت شركات السكك الحديدية في مأزق حقيقي، وعندما أعلن ممول شركات السكك الحديدية وهو بنك جاي كوك (فيلادلفيا) عجزه عن دفع ديونه، حدث الانهيار لبورصة نيويورك في شهر سبتمبر/ ايلول ،1873 الأمر الذي أدى الى إغلاق المئات من البنوك خلال الثلاثة أعوام التالية في أمريكا واستمر هذا الكساد لأكثر من أربعة أعوام في أمريكا، ولأكثر من ستة أعوام في أوروبا .

    والتأثيرات طويلة الأجل للهلع الذي حدث عام 1873 كانت واسعة الانتشار، فبالنسبة للشركات الصناعية الكبرى في الولايات المتحدة، فإن أولئك الذين في حوزتهم عقود مضمونة، ولديهم القدرة على عقد صفقات شراء ديون شركات السكك الحديدية، كانت تلك السنوات بالنسبة لهم ذهبية، فعلى سبيل المثال، فإن اندرو كارينجي وسايروس ماكورفيك وجون روكفلر كانت لديهم احتياطيات رأس مال كافية لتمويل نموهم الذي لم يتوقف أما بالنسبة للشركات الصناعية الصغيرة والتي اعتمدت على الطلب الموسمي ورأس المال الخارجي، فكان الموقف بالغ السوء، فمع نفاد احتياطياتها من رأس المال، كان ذلك إيذاناً بتوقف نشاطهم الصناعي، وسرعان ما انقض كارنيجي وروكفلر واشتروا أصول منافسيهم بأسعار بخسة، وهكذا بدأ عصر الاحتكار الصناعي في الولايات المتحدة، ومع ازدياد الهلع، زادت معاناة الأمريكيين العاديين بشكل مخيف، ويروي أحد كبار صناع السيجار الفاخر في أمريكا ويدعى صموئيل جومبرز وكان شاباً صغيراً عام ،1873 أنه مع ازدياد تبعات هذا الهلع الاقتصادي، انهارت أعمدة النظام الاقتصادي خلال الفترة ما بين 1873 و،1877 حيث قامت العديد من المصانع الصغيرة والورش بإغلاق أبوابها، وسرّحت عشرات الآلاف من العاملين، ومعظمهم من الجنود السابقين خلال الحرب الأهلية التي وقعت في أمريكا خلال الفترة من 1861 الى ،1865 ومصطلح عامل مسرّح أو متشرد كلاهما يشير الى حال الجنود السابقين الذين ساءت أوضاعهم، وسرعان ما بدأ في توزيع الإغاثة في المدن الكبرى ذات معدلات البطالة التي تزيد على 25% (أي 100 ألف عامل فما فوق) وسنشرح المزيد من آثار تلك الأزمة على أمريكا وأوروبا فيما بعد .


    مقارنة بين الأسباب التي أدت لأزمتي 1873 و2008



    هناك عوامل مشتركة كثيرة بين مسببات أزمة 1873 وأزمة ،2008 أولها أن الاقتصاد المالي وليس العيني هو المتسبب في حدوث الأزمتين، وهناك تشابه كبير في تدرج الأسباب، فالملاحظ أنه حدث ازدهار اقتصادي، ووفرة في السيولة في أوروبا وأمريكا خلال الستينات من القرن التاسع عشر على الرغم من أن أمريكا كانت تعاني من ويلات الحرب الأهلية في النصف الأول من الستينات، هذا الازدهار والسيولة النقدية أدى إلى الرغبة في ازدياد الثروة سواء عند الحكومات أو الافراد، وذلك من خلال استثمار تلك السيولة، وكما رأينا، فإن الوضع كان مشابهاً في الأزمة الحالية في أمريكا وأوروبا والدول الغنية في شرق آسيا إضافة الى الدول النفطية ومنها دول الخليج خلال الفترة التي سبقت أزمة عام ،2008 فقد اندفع الاوروبيون والامريكيون في سنوات الطفرة التي سبقت عام 1873 في الاستثمار بالسكك الحديد والعقار، ورأينا من خلال الأحداث المذكورة كيف ارتفعت أسعار العقارات وتم رهن الكثير من المباني حتى غير المكتمل البناء منها لأخذ المزيد من القروض لعقارات جديدة ولم تكن هناك ضوابط لذلك الاندفاع في الاستثمار العقاري، ويبدو واضحاً وجود تراخٍ في قيود الاقراض كما حدث قبل الأزمة الحالية، واصبح طموح متوسطي الدخل ليس امتلاك منزل فقط، وانما تحقيق ثروة من خلال الاستفادة من الوضع المزدهر الذي يمنح تسهيلات ميسرة، ويسمح أيضاً بالبيع أثناء الرهن، وهذا بدوره أدى إلى الثراء بالدين ثم البيع بعد فترة وجيزة بعد ارتفاع أسعار العقار .
    وأدت هذه الفوضى، إضافة الى إغراق السوق الاوروبية بالسلع الامريكية الرخيصة في اوائل السبعينات من القرن التاسع عشر إلى حدوث الأزمة ودخول أوروبا في ركود وانتقال الأزمة إلى امريكا التي انهارت مؤسساتها المالية بدءاً بمصرف فيلادلفيا ثم انتقال هذه الأزمة بكل أدواتها وآثارها إلى اوروبا بأكملها، وحتى نستطيع أن نرى أوجه المقارنة بين الأزمتين، سنقرأ أسباب الأزمة الحالية التي بدأت في سبتمبر/ ايلول 2008 .


    أسباب الأزمة الاقتصادية الحالية


    هناك أربعة أسباب للأزمة الحالية، وهي تقريباً مشابهة لمسببات أزمة 1873 هذه الأسباب هي:

    توفر السيولة، تراخي قيود الاقراض، الاقراض المجنون، ضعف الرقابة المالية .أ- توفر السيولة:



    عاشت الولايات المتحدة السنوات الأخيرة من عهد جورج بوش في ازدهار اقتصادي، كان أحد أهم اسبابه توفر السيولة المالية، حيث تدفقت الاستثمارات الآسيوية، وخاصة الصينية منها الناتجة من الفوائض في الموازين التجارية التي فضلت الصين استثمارها في الولايات المتحدة لتحريك الاقتصاد الامريكي، والحفاظ على الصادرات الصينية اليه بالاضافة إلى تجنيب الصين التضخم الذي ستواجهه في حال انفاق هذه الفوائض في الداخل، مما سيقلل بدوره من تنافسية منتجاتها، اضافة الى الفوائض النفطية التي تراكمت لدى الدول الخليجية بشكل خاص نتيجة ارتفاع اسعار النفط منذ عام ،2003 واتجهت الى الاستثمار في أمريكا، هذه الاستثمارات سواء الآسيوية أو الخليجية بدأت تتجه من السندات الحكومية ذات العائد المنخفض والمخاطرة المعدومة تقريباً إلى استثمارات في أدوات أخرى أكثر عائداً وأكثر مخاطرة، ومن هذه الأدوات الاستثمارية، السندات المدعومة بالقروض العقارية، ففي عام 2006 وعندما كانت اسواق العقارات الامريكية في أوج ازدهارها، كان المستثمرون الأجانب يملكون حوالي ثلث الرهونات العقارية في الولايات المتحدة، ومن أسباب توفر السيولة أيضاً تخفيض المصرف الفيدرالي الامريكي لكلفة الاقتراض إلى حوالي 1% بعد أحداث 11 ستمبر 2001 تجنباً لتراجع النمو الاقتصادي . وهذا بدوره شجع المواطنين الامريكيين على الاستثمار بالعقار كما سنرى لاحقاً .

    ب- تراخي قيود الاقراض:


    في السابق، كان الامريكي الذي يرغب بالاقتراض لشراء عقار، يتعامل مع مالك العقار، ومع مؤسسة تمويل القرض العقاري، ويقوم بتسديد أقساطه العقارية الشهرية من حسابه المصرفي وكانت هناك مجموعة من الضوابط لعملية الاقراض، ومن لا يستطيع الالتزام بها، إما ان يبحث عن قرض تقدمه بعض مؤسسات الاقراض المدعومة من الحكومة الامريكية مثل مؤسستي فاتي مي ومرندي ماك، أو من أن يستأجر سكناً، أما القروض التجارية، فكانت تتطلب التدقيق في مستوى دخل المقترض للتأكد من قدرته على تسديد قرضه، والزامه بدفع مقدم يتجاوز 20% من قيمة القرض، ويطلب منه كذلك تأمين هذا القرض، وكان سعر الفائدة على القرض ثابتاً، أي أن المقترض على دراية بحجم الاقساط التي سيقوم بتسديدها، غير ان السنوات التي عرفت بفترة تحرير القطاع المالي، وظهور ما سمي “بالابتكارات المالية” شهدت تغييرات جذرية في صيغة العقود العقارية، وهذه التغييرات هي التي سببت الفقاعة العقارية التي أدت إلى الأزمة الحالية، ومن أهمها:


    . 2- صياغة العقود بصورة يكون فيها سعر الفائدة متغيراً، فيبدأ منخفضاً لإغراء المقترض بالوقوع في مصيدة الاقتراض، ثم يرتفع سعر الفائدة فجأة بعد سنتين أو أكثر مواكبة لأسعار الفائدة في السوق، فيفاجأ المقترض بزيادة كلفة العقار، وقد يجد نفسه عاجزاً عن التسديد، وقد يترك بيته كذلك .


    1- عدم التدقيق في مداخيل المقترضين والاكتفاء بأقوالهم، وتقليل الدفعة الأولى إلى ما بين 5% و10% من قيمة العقار، وتجزئة القرض لتقليل تكاليف التأمين الفعلية 3- إن من أخطر الابتكارات التي طرأت على العقود العقارية هو أنه تم تجميع العقود العقارية المنفردة، وحولت إلى سندات استثمارية، وتم تعليبها وبيعها في اسواق المال على شكل ديون لتحقيق عمولات للوسطاء، وانتهت نسبة كبيرة من هذه السندات المدعومة بالعقارات في محافظ استثمارية للدول الآسيوية والنفطية، ومن هنا تأتي انعكاسات هذه الأزمة على الاقتصادات الخليجية، وكذلك أصبحت هذه الديون مستحقة من قبل المقترضين الأمريكيين للمستثمرين الذين يملكون هذه السندات وهم الآسيويون وأهل النفط والأوروبيون وسقطت نتيجة لذلك جميع المخاطر عن الوسطاء الذين روجوا هذه الديون مما دفعهم إلى إنتاج المزيد من هذه المشتقات وبيعها من غير التزام بشروط الاقتراض المذكورة سابقاً، ولم تكن مؤسسات تقييم هذه المشتقات مثل موديز وغيرها التي يفترض أنها تقوم بتصنيف هذه المنتجات من حيث مخاطرها وعوائدها ومتانة ملاءة المؤسسات التي أصدرتها بأحسن حال، حيث انها أصبحت أسيرة لحجم الايرادات التي تحققها من تقديم الاستشارات للمؤسسات المالية التي يفترض فيها أنها تراقب منتجاتها، وأخيراً كان هناك افراط من قبل مؤسسات التمويل العقاري في الاعتماد على نماذج جاهزة توضع فيها البيانات عن المقترض، وعن مواصفات العقار الذي سيتم شراؤه ومعلومات أخرى تحدد جدوى المقترض، وإمكانية تسديده لقرضه، ولكن دقة الاستنتاجات التي يتم الحصول عليها من هذه النماذج تعاني ثلاث اشكاليات على الاقل فيما يتعلق بالبيانات المستخدمة فيها وهي: عدم شمولية المعلومات، وعدم دقتها، وكذلك كونها بيانات تاريخية قد تتغير بتغير الظروف الأمر الذي جعل تنبوءات هذه النماذج فيها هامش كبير من الخطأ، ففي الفقاعة العقارية الأخيرة لوحظ انه في الوقت الذي كانت فيه اسعار العقارات في تراجع كبير، كانت هذه النماذج تظهر اسعار الذروة في الأسواق . هذا التراخي في قيود الاقراض أدى إلى التوسع الجنوني في أخذ القروض .

    ج- التوسع في الإقراض:


    هناك نوعان من الأصول المالية، أصول تمثل الملكية، وأصول تمثل المديونية، أما الاصول التي تمثل الملكية فهي أساساً ملكية الموارد العينية من أراض ومصانع وشركات، وهي تأخذ عادة شكل أسهم، وبالنسبة لهذا الشكل من الاصول المالية فهناك عادة حدود لما يمكن اصداره من أصول للملكية، صحيح انه يمكن المبالغة بإصدار أسهم بقيم مالية مبالغ فيها عن القيمة الحقيقية للأصول التي تمثلها، ولكن يظل الأمر محدوداً، لأنه يرتبط بوجود هذه الأصول العينية، أما بالنسبة للشكل الآخر للأصول المالية وهو المديونية، فيكاد لا توجد حدود على التوسع فيها، وقد بالغت المؤسسات المالية في التوسع في هذه الأصول للمديونية، وقد استقرت المبادئ السليمة للمحاسبة المالية على ربط حدود التوسع في الاقتراض بتوافر حدّ أدنى من الأصول المملوكة، فالمدين يجب ان يمتلك حداً أدنى من الثروة حتى يستدين، وأن يتوقف حجم استدانته على حجم ملكيته للأصول العينية، ولذلك حددت اتفاقية بازل للرقابة على البنوك حدود التوسع في الاقراض للبنوك بألا تتجاوز نسبة من رأس المال المملوك لهذه البنوك، فالبنك لا يستطيع ان يقرض أكثر من نسبة محددة لما يملكه من رأسمال واحتياطي، وهو ما يعرف بالرافعة المالية Leverage، ورغم ان البنوك المركزية تراقب البنوك التجارية في ضرورة احترام هذه النسب، فإن ما يعرف باسم بنوك الاستثمار في الولايات المتحدة لا تخضع لرقابة البنك المركزي، ومن هنا توسعت بعض هذه البنوك في الإقراض لأكثر من ستين ضعف حجم رؤوس أموالها كما في حالة بنك UBS، ويقال إن الوضع بالنسبة لبنك ليمان براذرز كان أكبر، وهذه الزيادة الكبيرة في الاقتراض تعني مزيداً من المخاطر إذا تعرض بعض المدينين لمشكلة في السداد كما حدث في الأزمة الحالية . ولكن لماذا تتوسع المؤسسات المالية في الإقراض والاقتراض؟ لسبب بسيط وهو الجشع، فمزيد من الاقراض والاقتراض يعني مزيداً من الأرباح، أما المخاطر الناجمة عن هذا التوسع في الاقراض فهي لا تهم مجلس إدارات معظم هذه البنوك والتي تهتم فقط بالأرباح قصيرة الأجل، حيث يتوقف عليها حجم مكافآت الإدارة، ومن هنا ظهرت أرباح مبالغ فيها، ومكافآت مالية سخية لرؤساء البنوك، والتوسع في الاقراض لم يتجاهل اعتبارات حدود الرافعة المالية لكل مؤسسة فقط، بل ان النظام المالي في الدول الصناعية اكتشف وسيلة جديدة لزيادة حجم الاقراض عن طريق اختراع جديد اسمه المشتقات المالية، وهو اختراع يمكن عن طريقه توليد موجات متتالية من الأصول المالية بناء على أصل واحد، والأزمة الحالية ولدت نتيجة ما أطلق عليه أزمة الرهون العقارية، فالعقارات في أمريكا هي اكبر مصدر للإقراض والاقتراض، فالحلم الأمريكي لكل مواطن هو ان يملك بيته، ولذلك فهو يشتري عقاره بالدين من البنك مقابل رهن هذا العقار، والأزمة بدأت فيما عرف بالرهون العقارية الأقل جودة Sabprime فماذا حدث؟ يشتري المواطن بيته بالدين مقابل رهن هذا العقار، ثم ترتفع قيمة العقار، فيحاول صاحب العقار الحصول على قرض جديد نتيجة ارتفاع سعر العقار، وذلك مقابل رهن جديد من الدرجة الثانية، ومن هنا التسمية بأنها الرهون الأقل جودة، لأنها رهونات من الدرجة الثانية، وبالتالي فإنها معرضة اكثر للمخاطر إذا انخفضت قيمة العقارات، ولكن البنوك لم تكتف بالتوسع في هذه القروض الأقل جودة، بل استخدمت “المشتقات المالية” لتوليد مصادر جديدة للتمويل، وبالتالي التوسع في الاقراض . . كيف؟ عندما يتجمع لدى البنك محفظة كبيرة من الرهونات العقارية، فإنه يلجأ الى استخدام هذه “المحفظة من الرهونات العقارية” لإصدار أوراق مالية جديدة يقترض بها من المؤسسات المالية الأخرى بضمان هذه المحفظة، وهو ما يطلق عليه التوريق Securitization، فكأن البنك لم يكتف بالاقراض الاولي بضمان هذه العقارات، بل أصدر موجة ثانية من الأصول المالية بضمان هذه الرهون العقارية، فالبنك يقدم محفظته من الرهونات العقارية كضمان للاقتراض الجديد من السوق عن طريق اصدار سندات أو أوراق مالية مضمونة بالمحفظة العقارية، وهكذا فإن العقار الواحد يعطي مالكه الحق في الاقتراض من البنك، ولكن البنك يعيد استخدام نفس العقار ضمن محفظة اكبر للاقتراض بموجبها من جديد من المؤسسات المالية الأخرى، وهذه هي المشتقات المالية، وتستمر العملية في موجة بعد موجة، بحيث يولد العقار طبقات متتابعة من الاقراض بأسماء المؤسسات المالية واحدة بعد الأخرى، وهكذا أدى تركز الاقراض في قطاع واحد “العقارات” مع زيادة المخاطر وساعدت الأدوات المالية الجديدة “المشتقات” على تفاقم هذا الخطر بزيادة احجام الإقراض موجة تلو الموجة .

    د- ضعف الرقابة المالية:

    السبب الأخير للأزمة المالية الحالية يعود لضعف الرقابة المالية مقارنة بما كانت عليه قبل موجة تحرير القطاع المالي، أي قبل أكثر من ربع قرن ومن أهم مظاهر التراجع في الرقابة المالية تراجع نسبة الإقراض التي تخضع لنوع أو آخر من أنواع الرقابة من حوالي 80% قبل 20 عاماً إلى أقل من 25% عام ،2006 ومن مظاهر هذا التراجع كذلك تعدد الجهات الرقابية بين اتحادية ومحلية في أمريكا، وعدم كفاءة مواردها البشرية لمتابعة التطورات الحاصلة في الأدوات الاستثمارية .

  3. #3

    افتراضي رد: موضوع منقول لكنه في منتهى الاهمية ( امريكا والعالم )

    [الأزمات المالية تاريخ يعيد نفسه ... (3)


    في هذه الحلقة، سنتابع المقارنة بين الأزمة الاقتصادية التي ضربت أمريكا وأوروبا عام 1873 وتبعها كساد طويل امتد حتى عام ،1879 والأزمة الاقتصادية الحالية التي بدأت في سبتمبر/أيلول ،2008 وما زلنا نعيش آثارها، تطرقنا في الحلقة السابقة إلى الأسباب التي أدت إلى الأزمتين، وفي هذه الحلقة سنتناول آثار ونتائج الأزمتين على الاقتصادين الأمريكي والعالمي، ولا يمكننا بالطبع أن نتحدث عن نتائج نهائية للأزمة الحالية التي لا يمكن الحديث عنها من الجانب التاريخي إلا بعد انتهائها بسنوات، ولكن من المهم أن نتحدث عن النتائج الأولى التي ظهرت في الاقتصادين الأمريكي والعالمي، وخاصة في الشهور الأولى من بدء الأزمة، وربما يسأل سائل عن أسباب عدم عقد مقارنة مع الأزمة الأقرب، وهي أزمة عام ،1929 وكما ذكرنا سابقاً، فإن أوجه التشابه في الأسباب والنتائج تظهر بشكل أقوى بين الأزمة الحالية، وأزمة عام ،1873 وهذا لا يمنع من وجود بعض المقارنات مع ما حدث عام 1929 والذي سنتطرق له حين نصل في حديثنا إلى تلك الأزمة الكبيرة .


    سنبدأ في هذه الحلقة بالحديث عن بداية نشوء الأزمة في أمريكا، والتي تمثلت في إنهيار بنك جاي كوك الذي كان يطلق عليه أيضا اسم بنك فيلادلفيا، فمن هو جاي كوك، وكيف تسبب مصرفه في بدء الأزمة، أو بمعنى أدق كيف كان إنهيار مصرفه الشرارة التي أطلقت بدء أزمة عام 1873؟

    إفلاس جاي كوك


    في 15 إبريل/نيسان ،1861 اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية، وكانت الحكومة الفيدرالية تنفق نحو 172 ألف دولار يومياً عشية اندلاع أول المعارك، وكانت وزارة الدفاع وحدها تنفق مليون دولار يومياً، ومع نهاية العام، ارتفع الإنفاق إلى 1،5 مليون دولار في اليوم، وكان أمام الحكومات الفيدرالية والكونفيدرالية ثلاث وسائل لتأمين الأموال اللازمة للحرب، وهي فرض الضرائب، والاقتراض، وإصدار النقد، ولجأت إلى هذه الوسائل جميعاً، وكان لتلك الوسائل أثر حاسم، ولكن اتضح أن الحرب قد تتحول إلى حرب طويلة الأمد، وأدرك سامون تشيس وزير الخزانة الذي عينه الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن أن المتطلبات المالية للحرب الحديثة، لا يمكن توفيرها بالوسائل التقليدية، وكان تشيس على معرفة بمصرفي فيلادلفي شاب اسمه جاي كوك كان والده عضوا في الكونغرس، وعُين كوك وكيلاً للحكومة الفيدرالية لبيع إصدار جديد من السندات عرف باسم سندات ال (خمسة - عشرين) وذلك لأنها كانت قابلة للاسترداد في فترة لا تقل عن خمس سنين ولا تتجاوز عشرين سنة بمعدل فائدة 6% ذهباً، وأدار كوك ظهره للمصارف، والتجأ مباشرة إلى جمهور العامة، ونشر إعلانات مكثفة في الصحف، ووزع منشورات إعلانية، وسعى إلى أن تصدر الخزانة سندات بفئات صغيرة أدناها 50 دولاراً للسند، وسمح للمكتتبين عليها سداد قيمة اكتتاباتهم على اقساط، وحاول عامداً إشراك المواطن العادي في شراء الأوراق المالية الحكومية، وهكذا ابتكر كوك حملات بيع السندات التي باتت عنصراً أساسياً في كل حرب كبرى تكون أمريكا طرفاً فيها منذ ذلك الحين، ومع نهاية الحرب الأهلية التي انتهت عام ،1865 كان كوك باع سندات إلى نحو 5% من سكان الولايات الموالية للاتحاد . وتمكنت الحكومة في مايو/أيار عام 1864 من تأمين المال الكافي لتلبية نفقات وزارة البحرية والدفاع، أي ما يصل إلى مليوني دولار في اليوم آنذاك . (وفي نهاية الحرب الأهلية الأمريكية، ازدهرت خطوط السكك الحديدية، حيث جرى مدّ ما يوازي 35 ألف ميل (56 ألف كم) من قضبان القطارات الجديدة عبر الولايات الأمريكية في الفترة ما بين اعوام 1866 - ،1873 وكانت صناعة السكك الحديدية وقتها أكبر صاحب أعمال بعيداً عن قطاع الزراعة، وتشارك بمبالغ ضخمة للغاية، وتتحمل قدراً هائلاً من المخاطر في البلاد، وأدى ضخ أموال سائلة من المضاربين إلى حدوث نمو غير عادي في هذا القطاع الصناعي، وازدياد بناء أرصفة الموانئ والمصانع والمنشآت المعاونة، وفي الوقت نفسه، كان هناك رأسمال ضخم يشارك في مشروعات، ولا يدّر عائداً فورياً وكان أحد أهم المستثمرين في خطوط السكك الحديدية جاي كوك من خلال مصرفه، وفي سبتمبر/أيلول ،1873 وجدت شركة جاي كوك وهي مكوّن رئيسي في المؤسسة المصرفية بالولايات المتحدة نفسها، غير قادرة على تسويق بضعة ملايين من الدولارات في صكوك شركة نورثن باسيفيك للسكك الحديدية، وكان جاي كوك شأنه شأن غيره يستثمر بشكل واسع في قطاع السكك الحديدية، وكانت مؤسسة كوك المصرفية وغيرها خططت لبناء ثاني أكبر خط سكك حديدية على مستوى القارة، وأطلقوا عليه اسم “نورثرن باسيفيك للسكك الحديدية” وقدمت مؤسسة كوك التمويل اللازم، وتم حفر وتمشيط الأراضي بالقرب من ولاية مينسوتا لمد خط السكة الحديد في 15 فبراير/ شباط ،1870 وبينما كانت مؤسسة كوك على وشك الحصول على 300 مليون دولار كقرض حكومي في سبتمبر/أيلول ،1873 وردت تقارير تفيد أن ائتمان مؤسسة كوك أصبح لا يساوي شيئاً، وفي 18 سبتمبر/أيلول أعلنت مؤسسة كوك إفلاسها، وهو ما يعني ان مشروع نورثن باسيفيك للسكك الحديدية لن يستكمل . وعجل انهيار مؤسسة كوك في ازدياد الذعر بين المستثمرين، حيث تلا ذلك الانهيار، كساد طويل انهارت خلاله 10 آلاف شركة، وتمثلت المشكلات الاقتصادية الرئيسية في الانتاج الزائد عن الحد، وتراجع السوق، وبدأ المستثمرون في أوروبا حيث بدأ الكساد يلوح في الأفق، تصفية معاملاتهم فيما يخص القروض الأمريكية، وقامت بورصة نيويورك بإغلاق ابوابها لمدة عشرة أيام، وسقطت انشطة اعمال أخرى، وتقلص حجم العمل في تشييد السكك الحديدية .


    آثار ونتائج الأزمة في أمريكا

    رأينا كيف أطلق انهيار بنك جاي كوك صفارة بدء واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية في أمريكا، مثلما أطلق انهيار بنك ليمان براذرز صفارة بدء أزمة عام ،2008 وحتى نتوسع في شرح الآثار التي ترتبت على تلك الأزمة، يتطلب منا ذلك ذكر تفاصيل كثيرة ليس من أجل معرفة أثر تلك الأزمة في الاقتصاد الأمريكي فقط، وإنما لإدراك أن الأزمات الكبيرة تؤدي في معظم الحالات إلى ركود واحيانا كساد طويل يؤثر في مختلف جوانب الحياة، فيختفي اغنياء ويحلُّ محلهم أغنياء جدد، بل تتلاشى أحيانا دول مزدهرة أو تتراجع للصفوف الخلفية لتحل محلها دول أخرى كما هي سنّة الله تعالى في الأرض، فأزمة 1873 رغم تأثيرها الكبير في الاقتصادين الأمريكي والأوروبي، إلا أن السنوات التي تلت الكساد، كانت بداية انطلاق أمريكا كقوة اقتصادية في العالم، ويتوقع كثير من الاقتصاديين أن الأزمة الحالية ستؤدي إلى تقدم دول أخرى لتحل محل أمريكا في الصدارة، أهمها الصين والهند .

    نعود إلى أزمة عام ،1873 ومراحل الانهيار التي تبعت الإعلان عن افلاس بنك جاي كوك في 18 سبتمبر/أيلول ،1873 ففي صباح اليوم التالي لإعلان الإفلاس، صدرت جريدة “التايمز” وعلى صدر صفحتها العنوان التالي “إنه ليوم قاس في وول ستريت” وذلك لتهيئة الشعب الأمريكي لتقبل المشكلات التي على وشك أن تحملها الأيام القادمة، وهذا بدوره أتاح لمجموعة كبيرة من المستثمرين بالأسهم الذهاب إلى السوق مبكراً وحماية نفسها من الخسارة، وبينما تمكن الكثيرون من انقاذ أنفسهم من الانهيار، كان هناك آخرون، بل هم الأغلبية من دون شك الذين توهموا أن المشكلة لا تتعدى أن تكون أمراً عابراً سرعان ما تنجلي تبعاته وتعود الأوضاع إلى سابق عهدها، وأن هذا الذعر لن يدوم إلا لفترة قصيرة، يواكبها ارتفاع في الأسعار، وهؤلاء الذين نظروا للموقف من خلال هذا المنظور، تشبثوا باستثماراتهم لأطول فترة ممكنة، ولما رأوا هامش الربح يتراجع باستمرار، اضطروا للانسحاب، وبطبيعة الحال كان هناك العديد من الناس ممن تشبثوا بأملاكهم وأفلتوا من الإفلاس على الأقل لفترة أطول من غيرهم، أما الذين تملكهم الخوف من قبل، نتيجة التراجع في الأسعار، فقد استمروا في خوفهم، وذهبت تنبؤاتهم بحدوث انفراج قريب أدراج الرياح، فقد جاءت الأخبار الجديدة على شكل إعلان مختصر من شركة جاي كوك التي أعلنت افلاسها، يفيد أن الشركة علّقت تعاملاتها، وكان لهذا الخبر وقع الصاعقة، حيث توقفت أنشطة سماسرة البورصة، ثم تدافع المستثمرون في البورصة لإخطار جميع المؤسسات في وول ستريت بهذه الانتكاسة، وسرعان ما بدأ السماسرة في مغادرة البورصة، ووصلت الأخبار إلى مكاتبهم في لمح البصر، ولم تتح تلك الصدمة لأعضاء المؤسسات المالية الذين أصيبوا بالذهول، الوقت الكافي ليفكروا بخطواتهم المقبلة، وشهدت البورصة حركة بيع غير عادية، وتراجعت الأسعار إلى الحضيض، وانتشرت أخبار هذا الذعر الذي شل الاقتصاد في جميع أرجاء مدينة نيويورك، وسارع المئات ممن كانوا يحتفظون بالأسهم على أمل أن ترتفع أسعارها، بالتخلص منها بإعطائها للسماسرة، وطلبوا منهم بيعها فوراً وأدى ذلك إلى هبوط الأسعار، وانهارت البورصة، وتدافع الناس إلى الشوارع ووجوههم ممتقعة، ثم طلبوا من السماسرة التوقف عن البيع على أمل أن يزداد هامش الربح في اليوم التالي، ولكن مقولة “أنا ومن بعدي الطوفان” بدت وكأنها في حالة تفعيل، فالكل يحاول النجاة ولو على حساب الآخرين .


    آثار الانهيار في أوروبا


    سبق أن ذكرنا أن بدايات الأزمة ظهرت في بعض العواصم الأوروبية قبل أن تنتقل إلى أمريكا وتشهد المزيد من التوسع، ولكن أوروبا قبل بداية الأزمة شهدت توسعاً اقتصادياً مفرطاً مثلما كان في أمريكا، وهذا الوضع يحدث في أغلب الأحيان، قبل الأزمات الكبيرة، فالتوسع المفرط حدث قبل الثلاث أزمات القوية، وهي التي حدثت خلال أعوام 1873 و1929 و،2008 وقبل أزمة 1873 شهد اقتصاد المانيا والنمسا توسعا مفرطاً في شتى جوانب الاقتصاد، حيث جرى تسمية الفترة من توحيد المانيا خلال عامي 1870-1871 حتى الانهيار المالي عام 1873 بفترة المؤسسين، وأدى صدور قانون تأسيس الشركات الليبرالي في المانيا الى تأسيس شركات مالية جديدة مثل بنك دويتشة، وتم دمج بعض المؤسسات الموجودة، وشجع النصر العسكري ونشوة الانتصار ضد فرنسا عام ،1871 فضلاً عن نزوح رأس المال لمشروعات اعادة الاعمار في فرنسا لما هدمته الحرب، الى تشجيع مضاربات البورصات في قطاع السكك الحديدية، والمصانع، وأرصفة الموانئ، وبناء السفن البخارية، ولكن هذا التوسع سرعان ما شهد تراجعاً ثم انهياراً، ففي 9 مايو/أيار ،1873 انهارت البورصة النمساوية في فينيا، ولم تعد قادرة على الحفاظ على توسعها الزائف بسبب حالات الافلاس المتتالية والتلاعبات الكثيرة، واعقب ذلك سلسلة من الإخفاقات لبنك فيينا، الأمر الذي تسبب في تقلص الأموال المتوافرة لإقراض الشركات، وفي برلين انهارت امبراطورية السكك الحديدية المملوكة لبيتل هنري ستروسبيرج .


    انهيار ليمان براذرز:


    مثلما أطلق إفلاس بنك جاي كوك الشرارة التي أدت الى أزمة عام ،1873 أطلق افلاس بنك ليمان براذرز في 15 سبتمبر/أيلول 2008 الشرارة التي اندلعت على أثرها أكبر أزمة مالية في التاريخ، وكان بنك ليمان براذرز واحداً من أكبر بنوك الاستثمار في أمريكا، وسبق أن ذكرنا في الحلقة الماضية أن بنوك الاستثمار لم تكن تخضع لرقابة البنك المركزي، ولهذا توسعت هذه البنوك في الاقراض لأكثر من ستين ضعف حجم رؤوس أموالها، كما أنه كان من أهم البنوك التي استثمرت بالرهون العقارية الأقل جودة Subprime التي سبق ذكرها . وليمان براذرز من البنوك القديمة في أمريكا، فقد تأسس عام 1850 من قبل اثنين من سماسرة القطن في ولاية الاباما، ثم انتقل الى نيويورك بعد الحرب الأهلية الأمريكية، ونما ليصبح واحداً من أهم الشركات الاستثمارية في “وول ستريت”، وبدأ الانهيار البطيء للبنك حينما اتسعت أزمة سوق الرهن العقاري في صيف 2007 حيث كان البنك لاعباً رئيسياً في سوق القروض العقارية Subprime، وبالتالي بدأ يواجه المخاطر الكبيرة الناجمة عن الانكشاف على هذا النوع من الاقراض مرتفع المخاطر، وعندما بدأت الأزمة تتعمق في 2007 وأوائل ،2008 قاوم البنك التوقعات بافلاسه، وفي يوم 9 يونيو/حزيران 2008 أعلن البنك عن تحقيق خسارة في الربع الثاني من العام بنحو 3،8 مليار دولار، وهي خسارة أعلى بكثير من توقعات المحللين في ذلك الوقت، وبدأ موقف البنك يزداد حرجاً بصفة خاصة يوم 8 سبتمبر/أيلول 2008 عندما أعلنت الحكومة الأمريكية الاستحواذ على عملاقي التمويل العقاري “فاني ماي” و”فريدي ماك”، وفي الجمعة 12 سبتمبر/أيلول شاعت اخبار عن أن البنك على حافة الإفلاس، وان البنك يسعى في البحث عن مشتر، وأن الافلاس ربما أصبح أمراً حتمياً، وكان بنك اوف أمريكا وبنك باركليز يبحثان جدياً في شراء ليمان براذرز، إلا أن التقارير الآتية من بورصة “وول ستريت” كانت متناقضة بين من يرى أن الصفقة تعد صفقة ذكية جداً لبنك أوف أمريكا، حيث رأى البعض احتمال أن يحقق بنك أوف أمريكا ارباحاً ضخمة في المستقبل من عملية الاستحواذ قدرت بنحو 10% من اجمالي ارباح بنك اوف أمريكا سنوياً حيث إن بنك ليمان براذرز بنك قديم وقوي وذو تاريخ طويل في مجال الأعمال المصرفية خصوصاً إذا ما تمت الصفقة من خلال عملية حرق سعري مثلما يحدث أوقات الأزمات، بينما شككت تقارير أخرى فيما إذا كانت عملية الشراء تساوي حجم المخاطر الإضافية المصاحبة لذلك القرار التي يمكن أن يتحملها بنك أوف أمريكا، وكانت التقارير تشير الى أن بنك أوف أمريكا سيحتاج الى تخصيص بين ستة وثمانية مليارات دولار لتغطية التكاليف الإضافية اللازمة لدعم محفظة بنك ليمان براذرز، وعلى جانب آخر كانت التحاليل تشير الى أن مخاطر الاستحواذ على البنك ضخمة جداً، حيث إن حجم القروض العقارية الموجودة في حوزة ليمان براذرز يمكن أن تكون مصدراً مستقبلياً للمشكلات المالية لبنك أوف أمريكا، لذلك اشارت التقارير الى عدم استعداد الاحتياطي الفيدرالي الى ضمان خسائر قروض بنك ليمان براذرز مثلما قام بذلك في صفقة استحواذ جي بي مورغان على بنك بيرستيرنز، ولكن مع نهاية مساء الأحد 14 سبتمبر/أيلول 2008 كان واضحاً أنه لا يوجد أحد يرغب بشراء بنك ليمان براذرز، وتم اعلان افلاس البنك في 15 سبتمبر/أيلول 2008 في أكبر عملية افلاس تم اعلانها في الولايات المتحدة، وسمي ذلك اليوم “بالاثنين الأسود”، وتبين فيما بعد أن بنك اوف أمريكا غير وجهته وأعلن عن دفع 50 مليار دولار للاستحواذ على شركة “ميريل لينش” في صفقة ستؤدي الى ولادة أكبر مؤسسة مالية في العالم، وفتح إعلان إفلاس البنك الباب على مصراعيه لبدء اعنف أزمة مالية مرت على العالم منذ الكساد العالمي الكبير عام 1929 .[/

  4. #4

    افتراضي رد: موضوع منقول لكنه في منتهى الاهمية ( امريكا والعالم )

    جزاك الله خير

  5. #5

    افتراضي رد: موضوع منقول لكنه في منتهى الاهمية ( امريكا والعالم )

    اجمل ما قرأته عن الازمة

  6. #6

    افتراضي رد: موضوع منقول لكنه في منتهى الاهمية ( امريكا والعالم )

    شكرا دكتور
    ووفقك الله الى ماتحب وترضى

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الاخبار التي تؤثر على الدولار -موضوع منقول للاستفادة
    بواسطة جمال الصوفي في المنتدى نادي خـبـراء الـبـورصه العالمية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 19-10-2012, 05:15 AM
  2. جايتنر: اقتصاد امريكا يظهر علامات مشجعة لكنه ما زال يواجه تحديات صعبة
    بواسطة إسماعيل عبد العزيز في المنتدى نادي خـبـراء الـبـورصه العالمية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 16-03-2012, 03:54 AM
  3. عذرا للجميع حصل حطا غير مقصود وتم حذف موضوع ورشة عمل على الاهلية للتامين
    بواسطة د.صديق البلوشي في المنتدى نادي خـبـراء سـوق الـمـال السـعودي Saudi Stock Experts Club
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 08-07-2008, 05:45 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

يعد " نادى خبراء المال" واحدا من أكبر وأفضل المواقع العربية والعالمية التى تقدم خدمات التدريب الرائدة فى مجال الإستثمار فى الأسواق المالية ابتداء من عملية التعريف بأسواق المال والتدريب على آلية العمل بها ومرورا بالتعريف بمزايا ومخاطر التداول فى كل قطاع من هذه الأسواق إلى تعليم مهارات التداول وإكساب المستثمرين الخبرات وتسليحهم بالأدوات والمعارف اللازمة للحد من المخاطر وتوضيح طرق بناء المحفظة الاستثمارية وفقا لأسس علمية وباستخدام الطرق التعليمية الحديثة في تدريب وتأهيل العاملين في قطاع المال والأعمال .

الدعم الفني المباشر
دورات تدريبية
اتصل بنا