كان هناك ما يبعث الرعشة في القلب في الأنباء التي ذكرت هذا الأسبوع أن مصرفيي الولايات المتحدة استأنفوا عاداتهم غير المبالية، التي درجوا عليها إبان فقاعة الائتمان. وفي تقديمهم القروض إلى شركات الأسهم الخاصة، حسبما يبدو، فإنهم يصدرون مرة أخرى ما كان يطلق عليه القروض المقدمة بقيود أقل على الضمانات وشروط السداد التي يقدمها المقترض، والقروض التي يتم سدادها بواسطة السلع والخدمات، وليس السيولة، وبذلك يتم تحرير المقترضين من شروط مزعجة، وبإمكانهم دفع الفوائد السنوية على قروضهم باقتراض المزيد ببساطة.
يجري كل هذا في وقت تنزلق فيه الشركات التي استحوذت عليها شركات الأسهم الخاصة في الجولة الأخيرة إلى مستوى التخلف عن السداد بأرقام قياسية. وباستعارة عبارة الساخر، توم ليهرر، فإن الأمر يجعل الرجل فخوراً بأن يكون مصرفياً.
الفكرة الأوسع نطاقاً هنا هي أن العمل يجري كالمعتاد. وما عليك سوى التفكير في المكافآت. ويبدو المصرفيون، بصدق، محتارين بسبب فكرة أن عليهم قبول الأقل، نتيجة عدد قليل من الحوادث المأسوف عليها، التي من الأفضل نسيانها الآن.
الأجواء ذاتها، الغريبة إلى حد ما، تسيطر على عالم الاستثمار كذلك. ليس فقط أن المستثمرين يدركون أنهم في فقاعة أخرى، بل يبدو أنهم لا يبالون أيضا. ويبدو الأمر كما لو أن الناجين من الحرب العالمية الأولى توقفوا برهة لتناول فنجان من الشاي والجلوس، أثناء اندفاعهم للدخول في حرب عالمية ثانية.
إن الأسباب الموضوعية لهذا الوضع مألوفة على نحو كافٍ: أسعار فائدة حقيقية في القاع بشكل متواصل وفيضان سيولة من جانب الحكومات، وما إلى ذلك. غير أن المسألة الأكثر تشويقاً تتعلق بالسلوك. وبالمعنى الحرفي، ماذا يعتقد هؤلاء الأشخاص أنهم يفعلون؟
لنبدأ بمستثمري المحافظ. عرض أنتوني بولتون، مدير الصندوق البريطاني المحنك، الذي خرج من فترة التقاعد ليؤسس متجراً في هونج كونج، بعض النقاط المضيئة في مقال رأي نشر أخيرا على موقع «فاينانشيال تايمز» الإلكتروني FT.com.
قال بولتون إن من المرجح أن تتجه الأسهم الصينية نحو فقاعة. لكن حسبما علق صديق آسيوي عليه، الفقاعة هي ما تصفه إذا فشلت في الدخول منذ البداية. وإذا دخلت فعلاً، فإنها تكون سوقاً صاعدة. إضافة إلى ذلك، حسبما قال، تشير الخبرة إلى أن الفقاعات تدوم في العادة عدة سنوات. وبالنسبة لأولئك الرافضين بحذر، ربما يبدو الأمر مغامرة، لكنك لا تستطيع القول إن المنطق في ذلك خاطئ.
كذلك يستحق الأمر التفكير في كيفية احتمال تطبيق ذلك على المستثمرين بشكل عام. ويجب أن يكون المبدأ الأساسي هو أننا نستطيع جميعاً المخاطرة، وسنعرف جميعاً متى يجب أن نتوقف. وبطبيعة الحال في ذلك الوقت سيكون هناك مشترون راغبون.
غير أن تفكير بولتون ليس استثنائياً. ففي السنوات الأخيرة أصبحت الأسواق العالمية متقلبة للغاية بحيث أصبح اكتشاف الفقاعة المقبلة واستغلالها هو اللعبة السائدة. وبناءً عليه، إذا حذر المختصون في الطفرات من أن فقاعة ما تتشكل، لا يجب أن يؤخذ هذا التحذير وكأنه تهديد، بل وعد بالأمل.
كل ذلك يبدو مفقوداً لدى صانعي السياسة. ولنأخذ جوردون براون الذي تشكلت لديه قناعة حين كان وزيرا لمالية بريطانيا ـ في السنوات الجيدة ـ بأنه ألغى الطفرات والانفجارات. وحين يصر السياسيون الآن على أن الأزمة الأخيرة يجب ألا تحدث مرة أخرى، فإن المرء يميل إلى القول إن عليهم أن يكثروا من الخروج إلى العالم الحقيقي.
أما بالنسبة للمصرفيين، فيبدو أن هناك عاملاً نفسياً آخر يعمل: شعور قوي بالتنوير. ويعزز ذلك دون أدنى شك، نوعاً من التفكير الجماعي، إذ يميل أولئك الذين يقبضون شيكات رواتبهم بالملايين إلى مرافقة الأشخاص الذين يشبهونهم في التفكير ممن يدركون ذلك.
من هنا يأتي الغضب في رويال بنك أوف سكوتلندا بسبب اقتراحات تتحدث عن احتمال أن تمنع الحكومة المكافآت، لأنها فقط المالك بالمصادفة. ومن هنا، على الأرجح، تأتي الشائعات بأن كبار التنفيذيين في جولدمان ساكس يشترون البنادق لحماية أنفسهم من الجماهير التي تلاحقهم ــ البديل عن تقييد الذات الحذر الذي لا يحدث على الأرجح.
لا يقتصر ذلك الشعور بالتنوير على المصرفيين وحدهم. ففي المملكة المتحدة أشارت تقديرات حديثة إلى أن الرؤساء التنفيذيين في مؤشر فاينانشيال تايمز 100 حصلوا في العام الماضي على زيادات في الرواتب تبلغ ضعفي الزيادات التي حصل عليها الموظفون في المتاجر الأرضية. ويجادل المدافعون بالقول إن الهبوط في مكافآتهم كان يعني أنهم في المجمل حصلوا على المكافأة ذاتها. البعض ربما يقول إنه أمر عادل على نحو كافٍ. فحين تكون الأوقات جيدة، فإن الرؤساء يحصلون على مكافأة أكبر من العاملين، وحين تكون سيئة، فإنهم يرضون بالمكافأة ذاتها. وربما يجد آخرون أنه بحسب وصف العملية، فإن كلمة «الزيادة التدريجية» لها صدى مناسب.
أي مما سبق لا يأخذ في الحسابان السبب الكلي لسلوك المصرفيين الأمريكيين في تقديم قروض سهلة إلى شركات الأسهم الخاصة. وقد أثار هذا الأمر الاستغراب في أوروبا، حيث ما زال على الممارسة أن تحدث مرة أخرى. لكن المصرفيين الأوروبيين كانوا قادمين جدد إلى نِعم إقراض شركات الأسهم الخاصة أثناء الطفرة الأخيرة، ومن الواضح أن آثار الجراح ما زالت بادية. وهم أيضا لا يحذون حذو الولايات المتحدة في إحياء ما يطلق عليها إعادة رسملة الأرباح. وهذه تحديداً طريقة ذكية للبنوك لتدمير مصالحها، حيث تقدم مزيدا من القروض إلى الشركات التي تسيطر عليها الأسهم الخاصة.
ويعتبر مالكو الأسهم الخاصة ذلك «أرباحا». فإذا عانت الشركات بعدئذ تحت ثقل الديون المتزايد، يحتفظ أصحاب الأسهم الخاصة بالسيولة وتفقد البنوك أمنها.
يقودنا ذلك إلى مجالات أكثر غموضاً من السلوك الإنساني. وربما تعتقد أن المصرفيين يفعلون ذلك لزيادة مكافآتهم على حساب العمل، لكن حسبما أظهرت لنا الأزمة الأخيرة الأمر ليس بتلك البساطة.
مرة تلو أخرى، التنفيذيون في ليمان براذرز ومجموعة التأمين الأمريكية الدولية AIG أثبتوا مقدرتهم على تضييع ثرواتهم من خلال اتخاذ المخاطر بلا مبرر، كما هو واضح. وعلق ألان جرينسبان، لاحقاً، على مدى دهشته من أن رؤساء البنوك لم يأخذوا في الحسبان مصالح المساهمين. وربما كان من الأفضل لو أنه أضاف أن أكبر المساهمين هم رؤساء البنوك أنفسهم.
إذا أخذنا كل ذلك في الحسبان، فإنه يكشف لنا عن أن الناس أقل عقلانية بكثير مما اعتقدنا قبل بضع سنوات. ومما لا شك فيه أنها معلومات مفيدة. وما إذا كانت هذه المعلومات تبعث على الراحة، فتلك مسألة أخرى