ربما تكون صناعة التمويل الإسلامي قد تجاوزت أخيرا مستوى ألف مليار دولار من حيث الموجودات، وهو مستوى له أهميته الرمزية، غير أن مسيرتها في العام الماضي لم تكن من دون عقبات، بالرغم من الحديث عن أن الأرضية التي يقف عليها أنموذج عمل هذه الصناعة أصلب من الأرضية التي يقف عليها نظام التمويل التقليدي.
فقد ثبت أن المؤسسات المالية الإسلامية عرضة للركود الاقتصادي العالمي ولتصحيح أوضاع القطاع العقاري بالقدر نفسه الذي تتعرض له نظيراتها التقليدية الكبرى. وفي الآونة الأخيرة زاد احتمال انكشاف هذه المؤسسات على دبي من المخاوف التي تراود الصناعة.
كانت دبي من الجهات النشطة في إصدار السندات الإسلامية التي تعرف بالصكوك، وتسبب انكشاف البنوك الإسلامية على الدين الهائل المترتب على هذه الإمارة في حدوث ارتفاع كبير في تكلفة التمويل خلال الأسبوعين الماضيين، وأدى إلى قيام وكالات التصنيف الائتماني بسلسلة من عمليات خفض التصنيفات الصادرة لتلك المؤسسات.
يقول نيش بوبات، المدير الإقليمي للدخل الثابت في ING لإدارة الاستثمارات Investment Management ING: «إن البنوك الإسلامية لديها انكشاف واسع جداً، ليس فقط على دبي وإنما على التمويل المهيكل عموماً».
إن معدل المرابحة بين البنوك الإسلامية صغير وغامض، ومن الصعب قياس هذه المعدلات، غير أن بوبات يقدر أن تكلفة تمويل الليلة الواحدة والتمويل قصير الأجل ارتفعت 100 نقطة أساس منذ أن أعلنت دبي عن إعادة هيكلة 26 مليار دولار من الديون المترتبة على شركتها العملاقة «دبي العالمية».
وارتفعت تكلفة التمويل طويل الأجل الذي يتم عبر السندات والقروض البنكية، التي تتم هيكلتها كي تكون متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، ارتفاعاً شديداً هي الأخرى – وذلك مع اقتراب مواعيد سداد المبالغ المترتبة على كثير من المؤسسات المالية الإسلامية.
وبحسب نبيل كازيروني، مدير إدارة شركات الأسهم الخاصة في بيت التمويل الخليجي، وهو بنك استثماري إسلامي بحريني: «هناك لجنة ائتمانية في نيويورك ولندن تنظر إلى هذه المنطقة على أنها منطقة واحدة ولا تفرق بالضرورة بين بلدانها». ويضيف: «البنوك الإسلامية تواجه عمليات إعادة تمويل ستكون صعبة». ويقدر كازيروني أن تكلفة التمويل طويل الأجل ارتفعت بما لا يقل عن 300 نقطة أساس.
ولا تشكل صكوك دبي مبعث القلق الوحيد بالنسبة للصناعة. لقد تجنبت البنوك الإسلامية الانكشاف على الاستثمارات التي تفتقر إلى الملاءة المالية ولأدوات الدين المعقدة بسبب تحريم الفائدة، غير أن الانكشاف العالي نسبياً على القطاع العقاري بدأ يتبين أنه مؤلم، كما يقول مصرفيون.
ويقول إقبال خان، الرئيس التنفيذي لشركة فجر كابيتال الاستثمارية الإسلامية: «عندما تحدث الأزمات، فإنها تؤثر على جميع المؤسسات المالية، إسلامية كانت أو تقليدية، بقدر انكشافها على تلك الأسواق».
وتواجه الصناعة أيضا جدلاً داخلياً حول التعاليم التي تعمل بمقتضاها، وجدلاً حول مشروعية كثير من المنتجات والخدمات التي تقدمها. وفي العام الماضي أحدث أحد كبار فقهاء التمويل الإسلامي هزة مجلجلة في الصناعة، عندما قال إن كثيراً من السندات الإسلامية لا تتوافق تماماً مع أحكام الشريعة الإسلامية. وعلى أثر ذلك التصريح، تخلف تعافي سوق الدين الإسلامية عن البنوك التقليدية، وما زالت الشكوك مستمرة بشأن تفسير الأحكام الشرعية.
ووفقا لنيل ميلر، مدير إدارة ممارسة التمويل الإسلامي في شركة نورتون روز للمحاماة: «الصناعة في حاجة إلى وضوح. لا نريد أن نخرج بمنتج ونحصل على موافقة الفقهاء عليه لا لشيء إلا لنجد بعد 12 أو 18 شهراً أن المنتج لا يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية. هذا الأمر يسبب درجة من الخطر على السمعة يصعب تجنبه».
وسوق الصكوك ليست المجال الوحيد الذي يتأثر بتجدد التركيز على ضمان توافق المنتجات مع الأحكام الشرعية. ففي أبريل (نيسان) الماضي أصدرت أكاديمية الفقه الإسلامي الدولية، وهي مجموعة من الفقهاء والعلماء ذات تأثير واسع، حكماً بأن إحدى الأدوات التي تحظى بالشعبية، وهي ما يعرف بالتورق يساء استخدامها هي الأخرى.
والطريقة التي يعمل بها التورق هي أن يقوم العملاء بشراء سلعة ما من بنك إسلامي بموعد سداد مؤجل، وإعادة بيعها فوراً للبنك بسعر أقل - ومن الناحية الفعلية، فإنها عملية اقتراض للأموال بطريقة تتوافق نظرياً مع الأحكام الشرعية.
ونظراً لمرونة هذه الأداة، فإنها تستخدم على نطاق واسع كوسيلة لاقتراض الأموال من جهة، وكأداة لإدارة السيولة بالنسبة للبنوك من جهة أخرى.
لكن العلماء يقولون دائماً إنه ينبغي استخدامها كملجأ أخير وأن يكون هناك طرف ثالث فيها. وأدى استخدامها الواسع وشبهها بالقرض التقليدي بأكاديمية الفقه إلى إصدار حكم بأن «الاستخدام المنظم» لهذه الأداة غير جائز، ما يحتمل أن يوجه ضربة شديدة للصناعة، كما يقول الخبراء.
ويلاحظ مطلعون على الصناعة أن نظام التمويل الإسلامي سيظل دائماً يواجه قدراً معيناً من الخلاف، لأنه يحاول التوفيق بين التمويل العصري والشريعة التي تضم مدارس فكرية كثيرة.
إلا أن الخلافات الكبيرة حول تفسير الأحكام الشرعية وحدوث الأزمة المالية لم يخففا من قاعدة الطلب على الخدمات المالية الإسلامية كما يقول الخبراء. ولدى المصرفيين حماس بشكل خاص بشأن الإمكانات التي تنطوي عليها الأسواق ذات العدد السكاني الكبير، التي لم يتم طرق أبوابها بصورة كبيرة، مثل مصر، وباكستان، والهند، وإندونيسيا.
ويقول أحد المصرفيين: «هذه الصناعة لا تقوم على أساسيات قوية، كما يحلو لها أن تعتقد. ففي آخر اليوم يذهب الناس مع أفضل العوائد والخدمات ومع الشفافية، وإذا لم نقم بتحسين الخدمات المالية الإسلامية، فقد يبدأ الناس باللجوء إلى نظام التمويل التقليدي، أو بالعودة إليه».
ويرى مصرفيون أن تسوية صكوك أصدرتها دبي بقيمة أربعة مليارات دولار تمثل اختباراً وشيكاً لنظام التمويل الإسلامي، وهو أمر ينبغي حله قبل أن تستعيد الصناعة نشاطها السابق.