الصنيع' التركي



هي معادلة بسيطة، فقهها أردوغان وحزبه، حتى لا تتشعب بنا الرؤى والقراءات:



كلما أمسكت القيادة زمام أمرها ورفعت الوصاية عن قرارها وحررت إرادتها وانبثقت من اختيار الشعب ..
أمكنها إخضاع الصهاينة والنازيين، فلم نكثر الصخب ونفتح الجبهات ونضع حدودا
وننصب مشانق ونشيع ثقافة التحطيم، وبعضنا لم يهضم صنيع تركيا، فراح يشكك
ويسفه.. لم نضيع الأوقات الغالية ونخرب بيوتنا بأيدينا ونسمم الأجواء ونلهي أنفسنا
بهوامش ..

دلَ "الصنيع" التركي أن بداية الطريق اختيار حر، يتقوى به البنيان السياسي والاقتصادي ويستقل القرار وتتحرر الإرادة، ويلازم هذا (الاختيار) ..
براعة سياسية وتمسك بالهوية..


إن كان ثمة تحول في موقف الإدارة الأمريكية من حصار غزة لما سببه لها من إحراج
وإزعاج، وكانت قد حذرت نتنياهو من الإساءة لأسطول الحرية، كما ذكرت صحيفة
نيويورك تايمز في عددها اليوم، فصنيعته هي تركيا، بقيادتها السياسية التي ضخت دماء
وأفكارا جديدة في شرايين الدولة الكمالية..


ولعل هذا هو أول القطر، وقد تتبعه تحولات في الموقف الغربي من حصار غزة،
وربما تضيق الدائرة على الكيان الصهيوني، وتضطرب الحبال الممدودة إليه،
وربما تضعف أو يقل مفعولها وتأثيرها.


تضرر الكيان الصهيوني بشكل كبير مما لحق بعلاقاته الإستراتيجية مع تركيا ..
في الفترة الأخيرة، فالتعاون الوثيق في مجالي الدفاع والاستخبارات بين أنقرة وتل أبيب
القائم منذ ستين سنة تقريبا، هو في أضعف مراحله، وجاءت الجريمة الأخيرة لتجهز
عليه، وقد يجمد إلى إشعار آخر.


الكيان الصهيوني، ومعذرة لأحرار مصر، وضع نظام مبارك في جيبه،
فلا تلتفتوا كثير لفتح معبر رفح، فهو لا يعدو ورقة سياسية، يُلعب بها في أوقات الحرج
أو للتنفيس أو لجني مكاسب سياسية داخلية، ليس هناك من يقوى على إخضاع إسرائيل
بعد أمريكا ـ حاليا ـ أكثر من تركيا، الحليف الأقوى للكيان الصهيوني في المنطقة، بعد
انقلاب الخميني على شاه إيران.


العرب وضعوا نفطهم ودولاراتهم وجواسيسهم في خدمة "السيد" الأمريكي، ولا يتعدى
حضورهم في القضايا والملفات أكثر من الجوانب الإنسانية أو الخطب الباهتة، وأوراقهم
محجوزة في السلة الأمريكية.


مصر اليوم أعجز من أن تصنع صنيع تركيا اليوم، ومثلها السعودية، والعرب ـ
كل العرب، ممانعين ومعتدلين ـ أضعف من أن يتحركوا بقوة الحجة واستقلالية الإرادة،
ظل "الآمر" أو هاجس "السيد"، أو "هشاشة" البنية السياسية والاقتصادية، حاضر معهم
أينما ولوا، فالقضية اليوم: من يفك العزلة عن شعبه ويرفع الحصار عن أمته ويرفع
الوصاية عن قراره وإرادته، وتركيا اليوم حققت ـ إلى حد ما ـ هذه "الإنجازات" ببراعة.


سيد القوم اليوم - إن صحت التسمية - ..
من يتحرك بقوة الحجة واستقلالية الإرادة والقرار وإسناد الرأي العام ومتانة الأساس
الاقتصادي والسياسي، أما الضعيف والعاجز والمترهل، لا مكان له في عالم اليوم..



أوقاتنا غالية، فلا نضيعها في الأماني والتوقعات والأوهام وفقه الانتظار السلبي،
لنسند قوة الأمة أينما ظهر بريقها ومتى لاحت ساعتها ..
مع يقيننا بأن تركيا أزعجت كثيرا من العرب وأربكت آخرين،
ويتمنى بعضهم لو يتم التخلص من "كابوس" أردوغان وحزبه.


لا نرى في تركيا المخلص، وإنما هي استعادة لهوية وقوة وزعامة، وندرك أن حربا
طاحنة يخوضها الحزب الحاكم مع قوى المعارضة، التي ارتبط مصير كثير منها ببعض
عصابات القتل والبطش في الجيش، والإطاحة بالحكومة الحالية، برنامجها الأول
والأخير، ومع ذلك فالحكومة تتزعم حركة التغيير والتحولات في الداخل والخارج.


ليست القضية في أننا نراهن على أردوغان أو حكومته لاستعادة حقوقنا ومواجهة جرائم
ومجازر الكيان الصهيوني الغاصب، فقد تجاوزنا زمن المخلص والمنقذ وفريد عصره
ووحيد زمانه، وإنما هناك إرادة صاعدة متمسكة بهويتها، تنطلق من مخزون حضاري
وإرث تاريخي عريق، وتحاول أن تصنع مجدا لأمتها بما أتيح لها من قوة وقدرة وربما
بأكثر مما يتسع له الظرف. لها حساباتها وتوقيتها، وتفرض منطقها يوما بعد يوم، في
مواجهة النازية الصهيونية التي خضعت لها رقاب قادة العرب لفترة من الزمن.


هي معادلة بسيطة، فقهها أردوغان وحزبه، حتى لا تتشعب بنا الرؤى والقراءات:
كلما أمسكت القيادة زمام أمرها ورفعت الوصاية عن قرارها وحررت إرادتها وانبثقت
من اختيار الشعب، أمكنها إخضاع الصهاينة والنازيين، فلم نكثر الصخب ونفتح
الجبهات ونضع حدودا وننصب مشانق ونشيع ثقافة التحطيم، وبعضنا لم يهضم صنيع
تركيا، فراح يشكك ويسفه.. لم نضيع الأوقات الغالية ونخرب بيوتنا بأيدينا ونسمم
الأجواء ونلهي أنفسنا بهوامش..


دلَ "الصنيع" التركي أن بداية الطريق اختيار حر، يتقوى به البنيان السياسي
والاقتصادي ويستقل القرار وتتحرر الإرادة، ويلازم هذا (الاختيار) براعة سياسية
وتمسك بالهوية.


وقد يفهم البعض من تقدير "الصنيع" التركي قدره، حط من التجارب المتعثرة للقوى
الشعبية الصاعدة في وطننا العربي، كلا، منهج المقارنة لا يجدي هنا، ولا نحمل تجارب
بعضنا فوق ما تطيقه، وإنما نجدد أفكارنا ونستلهم قوة الإرادة وبراعة الأداء ووضوح
الرؤية، ونبدأ بالأفكار الكبيرة والتوجهات المصيرية، ونعالج التفاصيل أثناء السير، ثم
قبل هذا وبعده، في قوة تركيا اليوم قوة للمسلمين ولأحرار العالم جميعا.


بقلم خالد حسن