الشروط في البيع ليست كشروط البيع

الفرق بين شروط البيع والشروط في البيع ، أن الشروط في البيع يقصد بها ، تلك الشروط التي يتفق عليها الطرفان البائع والمشتري ، أثناء عقد البيع ، مثال ذلك : وضع شرط جزائي على المقاول إذا لم ينه البناء خلال شهر مثلا .
أو أن أبيعك سيارة وأقول لك : بشرط أن لا تبيعها حتى تنهي أقساطها ، أو يشترط الخيار في البيع لمدة ثلاثة أيام ، أو الرهن ، ونحو ذلك .
والعقود هذه الأيام ، مليئة بالشروط بسبب تعقد الحياة ، فما هي أهم أحكام الشروط في البيع ؟.
قال كثير من العلماء : الشروط نوعان ، صحيح وفاسد..
والشرط الصحيح على ثلاثة أنواع :
1 – شرط من مقتضى العقد ، وهو كما يقال ( تحصيل حاصل ) ، كأن تعطيني البضاعة وأعطيك الثمن ( تسليم الثمن والمثمن ) .
2– شرط من مصلحة العقد ( الرهن ، الشهود ، الخيار ) .
3 – شرط البائع أو المشتري نفعا معلوما ، مثل أن يشترط البائع سكنى الدار شهرا قبل تسليمها إلى المشتري ، أو يشترط المشتري على البائع حمل الحطب أو تكسيره ونحو ذلك .
أما الشروط الفاسدة فقسمت إلى :
1 – شرط يبطل العقد من أصله ، كاشتراط أحدهما على الآخر عقدا آخر ، كسلف أي سلم ، وقرض ، وبيع وإجارة ونحو ذلك .
2 – فاسد يبطل الشرط ويصح العقد ، أي يصح معه البيع ، كأن يشترط أن لا خسارة عليه ، أو متى نفق وإلا رده ، أو لا يبيع السلعة ، أو لا يهبها ، أو أن يبيعها على فلان ، أو يهبها لفلان ، فهنا عند جمهور العلماء ، يبطل الشرط وحده ، ويصح العقد ، وسيأتينا أن الصحيح صحة هذه الشروط .
3 – ما لا ينعقد معه العقد ، كقوله بعتك إن رضي فلان ،أو إن جئتني بكذا.
هذا هو التقسيم المشهور ، غير أن ثمة نزاع في كثير من أنواع القسم الثاني ـ قسم الشرط الفاسد ـ ، وجمهور العلماء يجعلون الأصل في الشروط التحريم ، فلا يباح منها إلا بدليل ، ولهذا فقد جعلوا كثيرا من الشروط التي فيها مصلحة للمتعاقدين أو أحدهما ، فاسدة ، وبعضهم أجاز الشرط الواحد ومنع أكثر منه ، وكل ذلك فيه نظر .
وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه لا يصح القول بأن الأصل في الشروط التحريم ، وقال : إن الصحيح أن الأصل في الشروط في البيع الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم .
ومثال على ذلك : لو باعك بائع السلعة وشرط أن لا تبيعها لغيرك ، إلا بعد أن تعرضها عليه ، أو اشتريت سلعة بشرط إن نفقت وإلا رددتها على البائع ، فالأصل إباحة هذه الشروط وتلزم بالعقد ، وكذلك إذا شرط المشتري على البائع أكثر من شرط ولكنها مباحة في الأصل ، كل ذلك جائز وصحيح ولازم ، لأنه لم يرد نص في تحريمها .
وقد أورد العلماء القائلون بأن الأصل في الشروط التحريم عدة أدلة :
1– منها حديث ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) [متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها ].
2– حديث (نهى عن بيع وشرط ) .
3 – حديث ( نهى عن بيع وسلف وعن شرطين في بيع).
قال ابن القيم رحمه الله في تعليقه على معالم السنن بعد ذكر الأقوال في تفسير حديث ( نهى عن شرطين في بيع ) : "فإذا تبين هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعضه ببعض . فنفسر كلامه بكلامه . ‏فنقول : نظير هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة , وعن بيعتين في بيعة . فروى سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة ) . ‏وفي السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من باع بيعتين في بيعه فله أوكسهما , أو الربا ) . ‏وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول ( أبيعك بعشرة نقدا , أو بعشرين ونسيئة) هذا بعيد من معنى الحديث من وجهين . ‏أحدهما : أنه لا يدخل الربا في هذا العقد . ‏الثاني : أن هذا ليس بصفقتين , إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين . وقد ردده بين الأوليين أو الربا . ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا . فليس هذا معنى الحديث . ‏وفسر بأن يقول " خذ هذه السلعة بعشرة نقدا وآخذها منك بعشرين نسيئة وهي مسألة العينة بعينها . وهذا هو المعنى المطابق للحديث . فإنه إذا كان مقصودة الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله , وهو أوكس الثمنين فإن أخذه أخذ أوكسهما , وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا . فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا . ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى وهذا هو بعينه الشرطان في بيع . فإن الشرط يطلق على العقد نفسه . لأنهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط , والشرط يطلق على المشروط كثيرا , كالضرب يطلق على المضروب , والحلق على المحلوق والنسخ على المنسوخ . فالشرطان كالصفقتين سواء . فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة : وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة , وعن سلف وبيع . رواه أحمد . ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع وعن سلف في بيع فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع , ومع البيعتين في البيعة . ‏‏وسر ذلك : أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا , وهو ذريعة إليه . ‏أما البيعتان في بيعة : فظاهر , فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرطه له , كان قد باع بما شرطه له بعشرة نسيئة . ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة . وأما السلف والبيع : فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة , ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة : فقد جعل ذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل , ولولا هذا البيع لما أقرضه ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك . ‏‏فظهر سر قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل سلف وبيع , ولا شرطان في بيع ) وقول ابن عمر " نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع " واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كانا سلما إلى الربا . ‏ومن نظر في الواقع وأحاط به علما فهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه , ونزله عليه . ‏وعلم أنه كلام من جمعت له الحكمة , وأوتي جوامع الكلم , فصلوات الله وسلامه عليه , وجزاه أفضل ما جزى نبيا عن أمته "‏ انتهى.
واليوم يحدث هذا البيع ـ أعني شرطين في بيع أو بيعتين في بيعـــــة ـ بطريق الحيلة ، فيذهب اثنان إلى البنك الإسلامي ، يقول أحدهما أريد أن أبيع سيارتي على فلان تظاهرا فقط ، ثم ترد السيارة على صاحبها بعد انتهاء المعاملة ، الهدف أن يأخذ من البنك الإسلام المال نقدا ، والبنك يقسط عليه السعر الجديد ، وهذه تسمى العينة الثلاثية ، لأنهما أدخلا طرفا ثالثا هو البنك الإسلامي ، وهذا البيع هو المقصود بالنهي عن شرطين في بيع ، أي بيع العينة ، أو بيعتين في بيعة كلها بمعنى واحد .
والخلاصة : أن حديث المؤمنون على شروطهم ، عام يدل على إباحة الشروط ما لم يرد نص على تحريم شرط بعينه ، وأن كل شرط غير محرم فهو ملزم والله اعلم ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وأصول أحمد ونصوصه تقتضي جواز شرط كل تصرف فيه مقصود صحيح ، وإن كان فيه منع من غيره"