التأمين هو إدارة الخطر

التأمين بمعناه الحديث هو صيغة من صيغ "إدارة" المخاطر وجذوره التكافل بين أفراد المجتمع الذي هو أساس الاجتماع في كل دورات التاريخ. وقد عرفت كل المجتمعات الإنسانية أنماطاً عن التكافل والتعاون، وما زال الناس يهرعون إلى نجدة الملهوف ومساعدة المصاب ومد يد العون إلى المحتاج. ومجتمعات الإسلام حث دينها على مثل ذلك في الأخلاق وفي القوانين الفقهية التي تنظم المعاش وتحكم العلاقات بين الأفراد. ومن أهم مؤسساتها الزكاة والوقف ونظام العاقلة. فكأن التأمين قائم بينهم بالتزام كل قادر منهم بمساعدة إخوانه ممن يقع عليه المكروه دون الحاجة إلى وجود جهة مركزية تنظم هذا بينهم بعقود واتفاقيات. إلا أن هذا الأمر قد اعتراه التبدل الذي وقع في حياة المجتمعات في العصور الحديثة الأمر الذي احتاجت معه صيغ التكافل والتعاون إلى مؤسسات متخصصة يقتصر عملها على تنظيم وظيفة التكافل والنهوض بحاجة الناس إلى مساعدة بعضهم بعضاً عند وقوع المكروه. فظهرت مؤسسات التأمين كما نعرفها اليوم.
ورب سائل: لماذا احتاج الأمر إلى مؤسسات متخصصة ولم يعد يكفي فيه ما كان عليه الأوائل من ترتيبات للتعاون
والتكافل ضمن نطاق العلاقات الاجتماعية أو المهنية أو علاقات الجوار والرحم. والجواب عن ذلك :
أ- إن المخاطر التي كانت تحدق بالفرد في الزمان القديم محدودة ومتشابهة بين فرد وأخر، وسبب ذلك بساطة الحياة وضآلة قيمة الأصول المملوكة للناس وقلة أنواع السلع والخدمات. ولذلك كان التزام الفرد بمساعدة الآخرين إنما هو التزام قابل للتوقع بصورة عفوية وممكن التقدير والقياس بسهولة. فالمخاطر متشابهة ومستوى العيش متقارب، ثم لما تطورت سبل العيش وتحسنت وسائل المواصلات وتنوعت التجارات وأزداد مستوى الرفاهية بظهور أنماط وأنواع مستجدة من السلع والخدمات كالسيارات والطائرات والكهرباء والالكترونيات...الخ. زادت هذه المخاطر زيادة عظيمة في الحجم والقيمة وتنوعت، فلم تعد متشابهة كما كانت في الماضي ولذلك فإن من يعمل في التجارة يتعرض لمخاطر مختلفة تمام الاختلاف عن الطبيب أو العامل في محطة الكهرباء أو المعلم في المدرسة....الخ. وأصبحت الفجوة بين الغني والفقير عظيمة. فأصبح التزام كل فرد بمساعدة الآخرين يترتب عليه تحمل بعضهم تبعات، عند حدوث المكروه للآخرين أكثر من البعض الآخر مما احتاج معه إلى تنظيم تتحدد بموجبه قدر المسؤولية بقياسها بمقدار الخطر.
ب- كانت جميع النشاطات التي يقوم بها الأفراد تتم بصفة مباشرة ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية القائمة. ففي مجال التعلم، كان العلم يتلقاه التابع عن الشيخ، والمهنة يأخذها المتدرب عن الحرفي الماهر..الخ، ولكن لما تطورت المجتمعات صار الناس يتعلمون في مؤسسة متخصصة تسمى الجامعة أو الكلية أو المعهد الصناعي.
وكذلك حال التكافل إذ كان يتم ضمن علاقات النسب بين أفراد القبيلة الواحدة أو
الجوار في الحي أو المهنة الواحدة أو أهل السوق الواحد...الخ. ثم لما جاء عصر التخصص وتقسيم العمل ظهرت المؤسسات التي تخصصت في تلك النشاطات التي كان يقوم بها الأفراد في القديم
وكذلك حال المهن الصناعية التي ظهرت لها المعاهد المتخصصة والكليات. وليس حال التكافل استثناء من ذلك. فقد كان تعاون الناس ومساعدة بعضهم البعض يتم من خلال علاقات القرابة والجوار والرحم...الخ.
فاحتاج الأمر إلى أن تتخصص فيه مؤسسة فظهرت مؤسسات التأمين تماماً كما ظهرت البنوك مؤسسات للوساطة المالية والشركات المساهمة والجامعات والمعاهد والمنظمات الدولية.
المصدر: داماس بوست