*د. إسماعيل شلبي

لقد تكرر كثيراً منذ انفجار الأزمة المالية فى خريف 2008 م أن العالم الرأسمالي يجب أن يتعظ بما حدث وما تسبب فى حدوثه ، وأنه يجب أن يتعلم شيئاً من نظام التمويل والمعاملات الإسلامية.



تكررت هذه المقوله من قبل شخصيات سياسية ودينية ومصرفية لها وزنها الثقيل فى العالم الغربى الرأسمالى ، فهل يمكن أن يحدث هذا ؟ هل يمكن أن يبدأ العالم الرأسمالى أن يستفيد من فلسفة نظام التمويل والمعاملات الإسلامية ؟



لقد وضعت الأزمة العالمية المنهج الإقتصادى الإسلامى كبديل عن النظامين الرأسمالي والإشتراكى حيث أعتبر خبراء ماليون فرنسيون أن حدة الأزمة المالية الدولية كانت وراء إعلان وزيرة الإقتصاد الفرنسية كريستين لاغارد قرب إدراج المعاملات الإسلامية فى النظام المصرفى المحلى ورفع القيود التشريعية والضريبية التى تمنع إصدار صكوك إسلامية فى البلاد .



وهو ما يترجم إدراك الحكومة أن النظام المالى الإسلامى يمكن أن يلعب دوراً تاريخياً فى العالم بالنظر لقدرته على مواجهة التحديات التى يطرحها الوضع الحالى .



ورأى رئيس غرفة التجارة الفرنسية العربية ووزير الخارجية الفرنسى السابق هيرفيه دوشاريت أن استيراد" المعاملات الإسلامية يهدف لتمكين الاقتصاد المحلى من الإستفادة من السيولة النقدية التى يملكها المستثمرون المسلمون ، وأن النظام المالى الإسلامي يمكن أن يكون " عامل دمج لملايين المسلمين الفرنسيين الراغبين فى الحصول على خدمات مصرفية تتفق مع مبادئهم الدينية".



ومن العوامل المشجعه لاستغلال منهجية الاقتصاد الإسلامي فى إدارة الأزمة ما توصلت إليه دراسات بحثية بشأن مدى قدرة نظام التمويل الإسلامي على إنقاذ الاقتصاد العالمي ، خاصة بعد التأكد من أن النظام الرأسمالي كان سبباً رئيسياً فى تفاقم الأزمة المالية العالمية .



حيث أن مبادئ النظام الرأسمالى تقوم على الحرية الاقتصادية دون تدخل من جانب الدولة ، ونتيجة لذلك فقد توسعت البنوك فى ضخ الإئتمان دون مراقب لذلك النشاط حتى تعرضت تلك البنوك وغيرها من المؤسسات المالية إلى إشهار إفلاسها أثر عدم قدرة المقترضين على الوفاء بإلتزاماتهم.



ومن هنا بدأت الآراء تتوجه نحو ضرورة إعادة هيكلة النظام الرأسمالى من خلال إستخدام أدوات مالية جديدة تسهم فى الحد من تفاقم الأزمة المالية العالمية ، ولم يجد المفكرون أفضل من النظام الإسلامى كبديل لتعديل النظام الرأسمالى السائد إعتماداً على المقومات المؤهلة لذلك النظام من مبادئ تقوم على المشاركة الحقيقية فى النشاط الإقتصادى دون الإعتماد على عامل الفائدة.



كما تقوم على استخدام صيغ تمويلية بديلة عن الرهن العقارى مثل عقود الإجارة المنتهية بالتملك ، وبالإضافة إلى ذلك نجد أن الاقتصاد الإسلامى يتمتع بالقبول العام الذى يؤهله لإنقاذ النظام العالمى ، كما أن لديه القدرة على الانتشار وتنويع مصادر التمويل.



كما تبين أن البنوك والمؤسسات الإسلامية لم تتأثر بالأزمة العالمية مثلما تأثرت نظيراتها التجارية التقليدية الربوية ، ومن العوامل التى تؤهل الإقتصاد الإسلامى أن يكون إقتصاداً مساهما فىمواجهة الأزمة المالية العالمية ، بعض التجارب المؤسسية الناجحة مثل تجربة البنك الإسلامى للتنمية الذى أنشئ تطبيقا لبيان صادر عن مؤتمر وزراء مالية الدول الإسلامية الذى عقد فى جدة فى عام 1973 ، وتم إفتتاحه رسميا فى عام 1995 حيث قدم تمويلات تجاوزت حاجز الـ 51 مليار دولار منذ بداية نشاطه حتى يناير 2008 .



وقدم تلك التمويلات للعديد من أعضائه البالغين نحو 56 دولة ، ولكى يتمكن البنك من الحصول على السيولة الكافية التى تمكنه من تقديم تلك التمويلات فقد عمل على إنشاء العديد من الهيئات والمؤسسات التى تجتذب السيولة من الأفراد وتوجهها نحو البنك.



ولعل من أهم تلك الكيانات صندوق البنك الإسلامى للتنمية لحصص الإستثمار والذى أنشئ من أجل تعبئة الموارد للبنك الإسلامى للتنمية من جهة، إلى جانب تشجيع الإستثمار الأجنبى المباشر فى الدول الأعضاء للبنك بما يتفق مع مبادئ الشريعة من جهة أخرى.



وفى خارج العالم الإسلامى نجحت تجربة صندوق " أمانة إنكوم" الإستثمارى الإسلامى بالولايات المتحدة ، وصندوق " أمانة جروث" ، فى إحراز أكبر كم من العوائد بأقل نسبة من المخاطر مقارنة بمنافسيهم على مدى السنوات الخمس الماضية .



وإعتبرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أنه على هذا الأساس فإن مبادئ الشريعة الإٍسلامية تمهد الطريق أمام صندوق (أمانة إنكوم) إلى القمة. وبحسب ما نقلته عن وكالة " مورنينج ستار" ، المعنية برصد المعدلات المالية الأمريكية ، فإن صندوق "أمانة إنكوم" حقق معدل نمو بلغ 9.7% ، وهو الأداء الأفضل فى مقابل أداء الصناديق الإٍستثمارية الأمريكية الأخرى ، التى لا تتبع الشروط الإسلامية فى الإستثمار.



وأشارت الصحيفة إلى أن الصندوق بهذا الأداء أثبت ، وبشكل خاص فى عام 2008 الذى شهد تضخم الأزمة المالية العالمية ، أن القيود التى تفرضها الشريعة الإسلامية على أداء ومجالات الإستثمار أثبتت فائدتها وأفضليتها ، حيث لا يضم الصندوق أيا من الشركات التى تتعامل بالمضاربات أو الفوائد ، التى منيت بضربات قاصمة ، وصلت إلى حد إفلاس بعضها فى عام 2008 .



ولكن هذا لا يعنى أن التمويل الإسلامى دون مخاطر وترجع تلك المخاطر إلى كون البنوك الإسلامية تستثمر أموالها فى أصول حقيقية ، ولاسيما فيما يتعلق بالعقارات.



الأزمة وشهادات دولية لصالح الاقتصاد الإسلامي :



وفى ظل الأزمة انطلقت أصوات فى الغرب تنادى بتطبيق أسس الاقتصاد الإسلامي بعد فشل النظم الوضعية فى تحقيق الحياة الرغدة بشقيها المادى والمعنوى للناس ، ومن ضمن هؤلاء :



1-بوفيس فانسون رئيس تحرير مجلة (تشالينجز) 4/10/1429 هـ الموافق 5/10/2008. ففى افتتاحية مجلة " تشالينجز" كتب " بوفيس فانسون" رئيس تحريرها موضوعا بعنوان (البابا أو القرآن) آثار موجه عارمة من الجدل وردود الأفعال فى الأوساط الاقتصادية .



فقد تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية ؟ ودور المسيحية كديانة والكنيسة الكاثوليكية بالذات فى تكريس هذا المنزع والتساهل فى تبرير الفائدة ، مشيراً إلى أن هذا السلوك الإقتصادى السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية ؟



وتساءل الكاتب بأسلوب يقترب من التهكم عن موقف الكنيسة ومستسمحاً البابا بنديكت السادس عشر قائلاً أظن أننا بحاجة أكثر فى هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا إحترام ما ورد فى القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزرى ، لأن النقود لا تلد النقود.



2- يرى" رولان لاسكين " رئيس تحرير صحيفة ( لوجورنال دى فينانس) بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية فى المجال المالى والإقتصادى لوضع حد لهذه الأزمة التى تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط فى المضاربات الوهمية غير المشروعة.



وفى مقاله الذى جاء بعنوان : (هل تأهلت وول ستريت لإعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟) عرض لاسكين المخاطر التى تحدث بالرأسمالية وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع ، وقدم سلسلة من المقترحات المثيرة فى مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية.



3-وحسب موقع الجزيرة نت فقد دعى مجلس الشيوخ الفرنسى إلى ضم النظام المصرفى الإسلامى للنظام المصرفى فى فرنسا وقال المجلس فى تقرير أعدته لجنة تعنى بالشئون المالية فى المجلس أن النظام المصرفى الذى يعتمد على قواعد مستمدة من الشريعة الإٍسلامية مريح للجميع سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.



وأكد التقرير الصادر عن اللجنة المالية لمراقبة الميزانية والحسابات الإقتصادية للدولة بالمجلس أن هذا النظام المصرفى الإسلامى الذى يعيش إزدهاراً واضحاً قابل للتطبيق فى فرنسا.



4- وفى إستجابة – على ما يبدو لهذه النداءات ، أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية – وهى أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك – فى وقت سابق قرارا يقضى بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التى يتميز بها النظام الرأسمالى وإشتراط التقابض فى أجل محدد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد ، وهو ما يتطابق مع احكام الفقه الإٍسلامى.



5- كما أصدرت نفس الهيئة قراراً يسمح للمؤسسات والمتعاملين فى الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإٍسلامية فى السوق المنظمة الفرنسية ، والصكوك الإسلامية هى عبارة عن سندات إسلامية مرتبطة بأصول ضامنة بطرق متنوعة تتلاءم مع مقتضيات الشريعة الإسلامية.



6-وتتوالى شهادات عقلاء الغرب ورجالات الاقتصاد للتنبيه إلى خطورة الأوضاع التى يقود إليها نظام الرأسمالى الليبرالى على صعيد واسع وضرورة البحث عن خيارات بديلة تصب فى مجملها فى خانة البديل الإسلامى .



ففى كتاب صدر مؤخراً للباحثة الإيطالية لوريتا نابليونى بعنوان (اقتصاد ابن أوى) أشارت فيه إلى أهمية التمويل الإٍسلامى ودوره فى إنقاذ الاقتصاد الغربى ، واعتبرت نابليونى أن (مسئولية الوضع الطارئ فى الاقتصاد العالمى والذى نعيشه اليوم ناتج عن الفساد المستشرى والمضاربات التى تتحكم بالسوق والتى أدت إلى مضاعفة الآثار الاقتصادية) .



وأضافت أن (التوازن فى الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل التمويل الإسلامي بعد تحطيم التصنيف الغربى الذى يشبه الاقتصاد الإسلامي بالإرهاب ، ورأت نابليونى أن التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر ديناميكية فى عالم المال الكونى) .



وأوضحت أن (المصارف الإسلامية يمكن أن تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية ، فمع انهيار البورصات فى هذه الأيام وأزمة القروض فى الولايات المتحدة فإن النظام المصرفى التقليدى بدأ يظهر تصدعا ويحتاج إلى حلول جذرية عميقة) .



وفى الحقيقة إن نظام التمويل الإسلامى لا يمكن الاستفادة منه إلا إذا إلتزمنا بفلسفته التى هى جزء لا يتجزأ من النظام الإقتصادى الإسلامي ، بل ومن نظرة الإسلام الشاملة لهذه الحياة. فهو ليس مجرد قواعد تطبق لتنظيم أو لإجراء المعاملات المالية وتبادل المنافع من خلالها فى الأسواق. وهذا الكلام ليس للعالم الغربى أو الرأسمالى فقط وإنما لكل من يفكر أو يسعى لتطبيق نظام التمويل الإسلامي.



إن الأخذ بالنظام الاقتصاد الإسلامي فى التمويل أو فى الإنتاج يستلزم فى أساسه تغيير السلوكيات من الماديه المحضه الباحثة عن المكاسب فى إطار الفرديه إلى سلوكيات توازن بين المادة والروح 0أو بين" الدنيا والآخرة " وتوازن بين الفردية والجماعية ، مع جعل الأولوية للأخيرة فى إطار فضيلة الإيثار.



هذه الشروط التى ذكرناها تعنى أنه من الصعب على العالم الرأسمالي وتابعيه من الدول المسلمة أن يستفيدوا من نظام التمويل الإسلامي إلا بتغيرات جذرية فى الثقافة وفى البيئة الاجتماعية. وهذا ما يستدعى كثير من التساؤلات عن دور الدولة.






د. اسماعيل شلبي
*أستاذ الاقتصاد بالجامعات المصرية