استراتيجيات المضاربة وفن إتقانها باستخدام المتاجرة السعرية الزمنية

إعلانات تجارية اعلن معنا

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: المفهوم الإسلامي للقيمة لدى الاقتصادي أبي الفضل الدمشقي

  1. #1

    افتراضي المفهوم الإسلامي للقيمة لدى الاقتصادي أبي الفضل الدمشقي

    إن الباحث في الاقتصاد الإسلامي يجد أن تعاليم الإسلام جاءتفي صورة مبادئ عامة وأصول كلية ثابتة، اتسمت بطابع الخلود فلا تتغير ولا تتبدل،وأن الآراء والأفكار التي تباشر توضيح هذه المبادئ والأصول لا تشاركها في هذاالطابع، بل يؤخذ منها ويرد عليها، وعندما نقول نظرية الإسلام في مسألة معينةأينما ترد في البحث هوتجوز لا حقيقة لأن الإسلام يتمثل بالقرآن والسنة النبويةالشريفة ومصدرها الوحي، فلا يصح أن نطلق عليها نظرية بالمعنى المعروف عن النظريةفي الفكر الوضعي التي تتسم بالتبدل والتغير والتفنيد أحياناً. وإنما نعني بها نظرةالإسلام إلى المسائل في موضوع البحث وآراء الفقهاء والمفكرين في الدراسات الإسلاميةالتي تسير على هدي القرآن والسنة النبوية الشريفة.

    وعلى هذا الأساس، فإنناعندما نتناول نظرية القيمة في الفكر الإسلامي هو لبيان آراء الفقهاء والمفكرين فيالدراسات الإسلامية الذين تناولوا الموضوع.

    سبق علمي لعلماء المسلمين

    تأسيساً على ما تقدم يمكن القول: إنالمهتمين في العلوم الإسلامية تناولوا موضوعات اقتصادية تؤكد سبق العرب اقتصادياًللمفكرين والاقتصاديين الأوربيين على الرغم من التصور الخاطئ لدى بعض المفكرين بأنطابع المدارس الفكرية غير الأوربية للعصر الوسيط لا يمكن أن يخرج عن إطار محدداتالمذاهب الاقتصادية الأوربية، مما أدى إلى وقوعنا في عتمة الرؤية الأمر الذييتطلب التوجه العقلاني لتحديد أبعاد الغزو الفكري بطريقة تأخذ في الاعتبارالخطوات العلمية من خلال فهم نصوص الشريعة الإسلامية واستيعابها والرجوع إلى كتبالتراث الإسلامي مع الأخذ في الاعتبار مستجدات العصر لتشكيل حضارة عربية بهويتهاالإسلامية القابلة للتواصل والأخذ والعطاء لأن الدين الإسلامي جاء بنظم وشرائعوعقائد واقتصاد وسياسة وقيم عليا وسلوك ومفاهيم وفلسفة لحضارة متميزة بطابعهاالإسلامي الأصيل(1).

    وتأسيساً على ما تقدم سنتناول في هذا البحث معالمنظرية القيمة في مضامين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وآراء أحد الفقهاء والمفكرين في العالم الإسلامي، وهو الدمشقي.

    ولغرض بيان مفهوم القيمة واتجاه المفكرين في تفسيرها سنتناول مفهومالمال لأنه المدخل لفهم القيمة في الفكر الإسلامي:

    أولاً: تحديد مفهومالمال

    لكي نفهم اتجاه المفكرين المسلمين في تفسيرهم للقيمة لابد أن نتناولمفهوم المال في الشريعة الإسلامية حسب ما تناوله فقهاء المسلمين؛ لأن الفقه هوالبناء القانوني الذي يحدد اتجاهات الباحث المسلم.

    تعريف المال

    المال في اللغة: ما ملكه الإنسان من كل شيء، فما لم يملكه لايعد مالاً في اللغة كالشجر في الغابة والسمك في الماء والطير في الهواء(2).

    والمال عند الفقهاء، له اصطلاحان رئيسان، هما: اصطلاح الحنفية واصطلاحالجمهور.

    فقد عرّف فقهاء المذهب الحنفي المال بتعريفات كثيرة مختلفة في ألفاظهامتقاربة في معناها، ومن تعريفاتهم للمال (بأنه ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخارهلوقت الحاجة(3).

    ففقهاء الحنفية يوجبون لتحقيق مالية الشيء اجتماع أمرين.

    1- أن يكون شيئاً مادياً يمكن إحرازه وحيازته.

    2- أن يكون الشيء منتفعاًبه انتفاعاً معتاداً مشروعاً في حالة السعة والاختيار دون حالة الضرورة.

    أماجمهور الفقهاء قد اتفقوا على تعريف المال وهو أوسع من تعريف الحنفية؛ فعرفهالشاطبي بأنه (ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك من غيره وإذا أخذه من وجه(4)

    وعلى وجه العموم فالمال عند الجمهور هو ما يمكن حيازته والانتفاع به(5) ويمكن القول أن الجمهور عرفوا المال على أساس:

    1- ما يمكن حيازته.

    2- أن يكون الشيء له قيمة بين الناس.

    3- أن ينتفع بهذه القيمة انتفاعاً شرعياً.

    ويقول الإمام الشافعي: أنه لا يقع اسم المال إلا على ماله قيمة يباع به ويلزممتلفه، وقد قسم الفقهاء المال حسب ما له قيمة وحرمة في الشريعة الإسلامية إلى:

    1-مال متقوم: وهو ما حيزّ بالفعل وأباح الشارع الانتفاع به في حالة السعةوالاختيار فيكون هذا النوع من المال داخلاً ضمن التعامل به في النشاط الاقتصادي.

    2-مال غير متقوم: وهو ما لم يحز بالفعل أو حيّز بالفعل لكن حرّم الشارعالانتفاع به في حالة السعة والاختيار، وهذا النوع من المال يخرج عن التعامل به فيالنشاط الاقتصادي.

    مما تقدم نجد أن المال المتقوم -أي الذي له قيمة- هوالمال الذي يمكن حيازته، والحيازة هنا تعني اندماج العمل مع الأشياء، وبالتاليتكون للشيء قيمة وبدونها تكون الأشياء غير متقومة، فكل شيء تجسد فيه قدر من العملاكتسب من خلال ذلك قيمة وأصبح حسب المفهوم الفقهي مالاً متقوماً ويلزم دفع العوضعند الانتفاع به من قبل الآخرين، أما الأشياء التي لم يتجسد فيها العمل فهي ليستذات قيمة بغض النظر عن درجة منفعتها.

    أن هذا لا يعني أن الأشياء التي لم تحزبالفعل ليست نافعة أو لا تحتوي على منافع فتلك الأشياء تمتلك خاصية النفع، وبهذانفهم أن الأشياء التي تكون موضوعاً للتبادل هي الأشياء التي تكون نافعة شرعاً والتييمكن حيازتها.

    إذن المنفعة الشرعية هي شرط أساسي في الأشياء موضوع التبادلفالأشياء ذات المنافع المباحة والتي تشبع حاجة إنسانية دون بذل الجهد (الأموالالحرة) لا تدخل ضمن موضوع التبادل، أما الأشياء ذات المنافع المباحة والتي لاتشبع حاجة إنسانية إلا ببذل الجهد في تحصيلها (الأموال الاقتصادية)، هي التي تدخلضمن موضوع التبادل، أما الأشياء المحرمة والتي حُيزّت فعلاً فأنها تتعارض مع أحكامالشريعة وبالتالي لا يكون للمنافع المنتجة لهذه الأشياء أية قيمة معتبرة شرعاًوبذلك لا يكون لها سعر في السوق ولا يضمن متلفها.

    نستطيع في ضوء ما تقدم أننعزو القيمة في السوق إلى عنصرين لابد من اجتماعها هما(6):

    1-أن تجسد السلعةقدراً من العمل الإنساني.

    2- أن يكون العمل المبذول وفقاً للشروط الشرعية.

    فإذا انتفي العمل المبذول أصبحت الأشياء من المباحات غير المتقومة، أما إذاانتفي العنصر الثاني فلا يكون للعمل قيمة طبقاً للأحكام الشرعية ومعنى ذلك أنالاعتبار الشرعي الأخلاقي يشكل أحد عناصر القيمة وهذا ما يميزها عن القيمةالاستعمالية في الاقتصاد الوضعي الذي يأخذ في الاعتبار قابلية السلعة على إشباعحاجة بغض النظر عن الموقف (القيمي) من تلك السلعة وطريقة أنفاق العمل لإنتاجها(7).

    يتضح أن العمل المبذول في الأشياء المباحة المنتفع بها شرعاً والتي تشبعحاجة إنسانية معتبرة يكون عنصراً أساسياً في القيمة التبادلية.

    هل هذا يحملمعنى أن تكون كمية العمل المنفق في الأشياء المتحققة في السوق باعتبارها ثمناًلكمية العمل المبذول في إنتاجها..؟

    إن الأحكام تكاد تتفق إلى أن القيمةالتبادلية في السوق يتم تحديدها وفقاً لعوامل متعددة تشكل عاملي العرض والطلب(مبدأ التراضي).

    هذا ما توضحه الأحكام الخاصة بتحديد الربح والمرابحة في البيوعالمختلفة التي تفيد أن القيمة التبادلية لا ترتبطارتباطاً مباشراً بكمية العمل أو بالكلفة رغم أن الأحكام تشدد على ضرورة بيانالتكلفة عند تحديد السعر (خاصة في بيع المرابحة) ليس من أجل بناء السعر في ضوئهاوإنما من أجل وضع المشتري أو المستهلك في الصورة الواقعية لتكلفة السلعة ليقرر علىأساسها قبول أو رفض نسبة الربح المضاف إليها(8).

    وتجب الإشارة هنا إلى أن منالفقهاء من فرق بين القيمة الجارية وبين القيمة الحقيقية -قبل "ريكاردو"- وهنايبرز " ابن عابدين" فيفرق بين الثمن والقيمة (إن الثمن ما تراضى عليه المتعاقدانسواء زاد على القيمة أو نقص. والقيمة ما قوّم به الشيء بمنزلة العيار من غير زيادةولا نقصان)(9)

    وهنا نجد "ابن عابدين" في مجال التفرقة بين الثمن والقيمةيعتمد على ما ورد في القرآن الكريموتفسير العلماء.

    فالزمخشري يربط بين القيمةوالثمن في تفسيره لقول الله تعالى (وشروهُ بثمن بخسٍ دراهمِ معدودة وكانوا فيه منالزاهدين)(10) فيقول: المبخوس ناقص القيمة نقصاناً ظاهراً(11).

    وينقل القرطبيقول أبن العربي الذي يربط بين الثمن والقيمة في تفسير الآية، وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوفي ثمنه بالقيمة.

    وهكذا نجد القرآن الكريم قد ميّز بينالقيمة والثمن، فالثمن يدور حول القيمة ارتفاعاً وانخفاضاً، والكلام عن الثمن هوكلام عن مؤشر قد يتطابق مع القيمة وهو الأصل في الاقتصاد الإسلامي، إذ تسودالمنافسة في السوق الإسلامية، حيث يؤكد القرآن الكريم على إقامة الوزن بالقسطوالوفاء بالكيل.. وكل ذلك من باب القيمة كاملة غير منقوصة(12) والثمن يجب أن يعبرعنها وإلا كان بخساً مما استنكره القرآن الكريم.

    وهنا نجد القيمة عند الفقهاءبمنزلة العيار بغير زيادة أو نقصان، أما الثمن فهو عرضة للزيادة والنقصان عنالقيمة وفقاً للقوانين الاقتصادية.

  2. #2

    افتراضي رد: المفهوم الإسلامي للقيمة لدى الاقتصادي أبي الفضل الدمشقي

    ثانياً: تفسير مفهوم القيمة عند أبي الفضل الدمشقي

    أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي الذي عاش في القرنين الخامس والسادس الهجريين الموافقين للقرنين الحادي عشر والثاني عشر من الميلاد.

    هذا ما وصلنا من ترجمة عن الدمشقي حيث اندثرت الكتابات التي تترجم لحياته ولكن كتابه "الإشارة إلى محاسن التجارة" الذي طبع للمرة الأولى بواسطة المستشرق ريتشر وظهرت طبعته باللغة العربية عام 1318هـ قد خلدت اسمه، غير أن حياته ظلت مجهولة، وفي السنوات الأخيرة كان هناك اهتمام واسع بكتابه، بحيث يمكن القول بأنه أشهر الكتب في التراث التي حملت عنوان التجارة، هذا الاهتمام الواسع جعل الكثير من المستشرقين يقبل على طلبه بإلحاح وحرص شديدين(13).

    وقد خصص الدمشقي فصلا للقيمةوالأسعار في كتابه (الإشارة إلى محاسن التجارة)، وكان الدمشقي تاجرا له باع طويلفي أنواع التجارة خصوصا التجارة الخارجية ولذلك جاءت أفكاره وتصوراته جامعة بين ماتحصل عليه من ثقافة علمية وبين ما تجمع له من خبرة عملية واسعة في الحياة الاقتصاديةفقد عبر في كتابه عن رؤية اقتصادية شاملة للمال بعامة والنقد بخاصة بوصفها المحورالذي يدور حوله النشاط الاقتصادي، وقد عالج قضايا اقتصادية أخرى بفروعها وفيمقدمتها القيمة والقيمة المتوسطة والرشد الاقتصادي وعوامل تكوين الثروة وأنماطالعمل التجاري(14).

    وقد امتاز منهج الدمشقي في كتابه بالاعتماد على القرآنالكريم والسنة النبوية الشريفة والمصادر التشريعية الأخرى حيث استسقى معارفه منخلال معطيات الفكر الإسلامي كما امتازت دراسته بالواقعية.

    لذا نجد توافقاً بينما طرحه حول تفسير القيمة والسعر وبين ما يمكن استنتاجه من النصوص الشرعية والأصولالمبدئية للشريعة الإسلامية، وقد استند في تحليله للقيمة والسعر على مبدأ التراضي، إذ أن المتتبع لآراء الفقهاء عند تعرضهم لعملية التبادل الشرعية، يجد أنهميربطون ربطاً وثيقاً بين مشروعية التبادل وبين إقرار مبدأ التراضي بين البائعوالمشتري، وتبرز أهمية هذا المبدأ في كونه تندرج تحت سياقه جميع الجوانب والعواملالتي تدخل في تكوين السعر في صيغته من التوازن الاقتصادي فهو يعكس جانبي العرضوالطلب ويندرج العرض تحت مبدأ التراضي في الأخذ بنظر الاعتبار نفقة الإنتاج منضمنها العمل وجانب الطلب المنفعة المعتبرة شرعاً والرغبة التي تدفع المشتري للحصولعلى السلعة، يقول الله -تعالى- (يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكمبالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم)(15).

    إن القول بمبدأ التراضيوجعله أساساً للقيمة التبادلية للسلعة يعني أنها أخذت بعين الاعتبار التوازن بينعاملي العرض والطلب، وهذا ما أقرّه المفكرون الاقتصاديون على يد "مارشال" رائدالمدرسة الكلاسيكية المعاصرة الذي حاول تفسير القيمة وتحديدها على أساس العواملالذاتية والموضوعية على حدٍ سواء.

    القيمة والقيمة المتوسطة عند الدمشقي

    أ- القيمة المتوسطة

    في محاولة تتّبع تحليلات الدمشقي حولالقيمة المتوسطة نجده يبدأ في الحاجة إلى المال الصامت(16). وهو العين والورق وسائرالمصنوع منها(17).

    فقد تناول تطور شكل التبادل من شكله البدائي المتمثلبالمقايضة حتى شكله النقدي، وأبرز العامل الحاسم في سياق هذا التطور وهو تعددالحاجات الإنسانية ونتيجة لتطور الإنتاج (لأن الصناعات مضمومة بعضها إلى البعض)(18)، وصعوبات عملية التبادل السلعي القائم على المقايضة الأمر الذي أدى إلى أيجادمقياس مشترك يلقى قبولاً عاماً بين الناس في عملية التبادل ( فلذلك احتيج إلى شيءتثمن به جميع الأشياء وتعرف به قيمة بعضها من بعض فمتى أحتاج الإنسان إلى شيء ممايباع أو يستعمل دفع قيمة ذلك الشيء من ذلك الجوهر الذي جُعل ثمناً لسائر الأشياء(19)، فوجد الناس بعد تطور تاريخي المعادل الذي يلقى قبولاً عاماً (ووقع إجماعالناس كافة على تفضيل الذهب والفضة)(20).

    وهنا يظهر الشكل النقدي للقيمةالمعبّر عنها بالسعر، ويرى أن الوحدات النقدية لا تحمل قيمة ذاتية خاصة وإنماتكمن قيمتها في وظائفها إلا إذا تحول الذهب والفضة إلى استعمالات أخرى غير النقود،وهنا نجد السعر هو الذي يعبر عن القيمة بوحدات نقدية معينة وهو ما ينتهي إليهالتحليل النقدي للقيمة عند الدمشقي(21)، ولما كان الدمشقي مهتماً بالتجارةالخارجية فقد حاول تحقيق أفضل صيغة للتبادل التجاري على الصعيد الدولي، ولذلكأنشغل في إيجاد معيار عام تتحدد في ضوئه قيم السلع المتعددة فاهتدى إلى (المعرفةبالقيمة المتوسطة لسائر الأعراض)(22)، فيقول (فإن لكل بضاعة ولكل شيء ما يمكنبيعه قيمة متوسطة معروفة عند أهل الخبرة(23)، وقد أدرك أن اختلاف قيم السلع علىصعيد التبادل التجاري الخارجي إنما يكون بسب اختلاف تكاليف الإنتاج وفنونه (ذلكلأن الأسفاط الهندية بالمغرب مخالفة لقيمتها باليمن والمتوسط والمعتدل من أسعارهافي أحد المكانين غير المتوسط والمعتدل من أسعارها في المكان الآخر، وقيمة المرجانبالمشرق غير قيمته بالمغرب وذلك لأجل القرب من المعادن وكذلك الأمكنة المشهورة كليختص بفن من الفنون لا يستطيع غيرها مثله، فإن قيمة ذلك الشيء المصنوع في معادنهمخالفة القيمة في الأماكن التي يستظرف بها)(24).

    وبهذا يحدد الدمشقي على ضوءمعرفة القيمة المتوسطة السلوك الاقتصادي التجاري الرشيد، ويمكن القول أنه وضعبدايات لنظرية التكاليف النسبية "لريكاردو" ولنظرية "هكشر أولين"(25) في التجارةالخارجية.

    ب- تفسير القيمة

    لقد أخذ في تحليله للقيمة الجوانبوالعوامل الاقتصادية التي تدخل في تكوينها وبالتالي استطاع أن يحدد ويفسر القيمةعلى أساس العوامل الذاتية والموضوعية، فيحدد العوامل الموضوعية بنفقة الإنتاجويضمنها العمل فعندما يذكر (الجَزْع) وارتفاع قيمته إنما يكون بسب تكلفة إنتاجهفيقول: (يعمل به الصُنّاع أعلاقاً كباراً صحاحاً فكثير أن تبلغ أثماناً كثيرة لأجلالصنعة لأنه حجر مانع)(26).

    وبهذا فإنه يعطي العمل الأساس في تكوين القيمة التبادليةويذكر التكاليف الأخرى غير العمل في تكوين القيمة عندما يشير إلى الفولاذ بأنه يأخذشكل السلعة (لأنه مصنوع وليس يخرج من المعادن فولاذاً) إلا عندما ينسب إلى الصناع الحاذقين بعمله وأما الحديد فإنه يختلف بحسب صُنّاعه والأماكن التي عُمل بها، وبهذا نستطيع القول بأن "الدمشقي" ميز بين العمل الماهر وبين العمل غير الماهرفي تحديد قيمة السلعة، فقد أشار إلى المهارة والحذق كأحد العناصر التي تدخل فيمكونات القيمة، وبهذا يكون قد بين العوامل الموضوعية في تحديد القيمة التبادليةبنفقة الإنتاج ويضمنها العمل، أما العوامل الذاتية: فإنه يرى أن لها دوراً كبيراًفي تحديد القيمة فالمنفعة المتوقعة من الحصول على السلعة هي التي تخلق الرغبة عندالمستهلك لحيازتها وعلى هذا الأساس فإن القيمة تزيد وتنقص على أساس المنفعة والرغبةالمتحققة من الحصول عليها، والعلاقة بين المنفعة والرغبة من جهة والقيمة من جهةأخرى يصورها الدمشقي بقوله: (أن أصل التجارة في البيع والشراء، أن يشتري من زاهدأو مضطر إلى أخذ الثمن، ويبيع من راغب أو محتاج إلى الشراء لأن ذلك من أوكدالأسباب إلى مكان الاستصلاح في المشتري وتوفير الربح.

    ومن النص السابق يحددالدمشقي عاملي العرض والطلب في تحديد القيمة التبادلية وزيادة على هذا أشار إلى عدد من العوامل والظروف المؤثرة في طلب وعرض السلعة وبالتالي كيفية تحديد القيمة والسعر من خلال فهم الآلية التي يعمل من خلالها كل منهما فقد بين بصورة لا تختلف عما هوعليه في التحليل الاقتصادي العوامل المؤثرة في كل من العرض والطلب(27) ومنها.

    1- الضرائب: حيث يقول (… ثم يضيف إلى ثبت الأسعار ثبتاً بمكُوس البضائعفأن مكوسها تختلف في سائر البلدان ثم يميز الفائدة وكذلك في جميعها)(28).

    2- دخل المستهلك: حيث يرى أن دخل المستهلك له أثر كبير على الطلب على السلعة المنتجةولهذا فإن الزيادة في الدخل يتبعها زيادة في الطلب على السلع والخدمات على اختلاف فينوع السلع لكل طبقة من طبقات المجتمع، فزيادة دخل الفقراء عادة يتبعها زيادة فيالطلب على السلع الأساسية، أما زيادة دخل الأغنياء فيتبعها زيادة في الطلب علىالسلع الكمالية.

    فقد بين الدمشقي تأثير الدخل في طلب السلع وبالتالي علىأسعارها حيث أوضح أن الطلب على كتب العلم يكون قليلاً نتيجة انخفاض دخول العلماءأما الطلب على الجواهر الثمينة يكون من ذوي الثراء.

    نخلص مما تقدم إلى أن أباالفضل الدمشقي كان سّباقا في تشخيص العوامل المؤثرة في تحديد القيمة التبادلية ويرىأن جميع العوامل المحيطة بالسلعة تعمل على تحديدها ومن الخطأ الاعتماد على عاملواحد كمحور للقيمة وهذا هو جوهر نظرية التوازن بين العرض والطلب التي لم يتوصلإليها الفكر الاقتصادي الغربي ألا بعد سلسلة من الافتراضات والنظريات ابتداءاً مننظرية العمل مروراً بنظرية المنفعة الحدية حتى وصل بالنهاية على يد "الفريد مارشال" إلى القول بنظرية العرض والطلب في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي مما يعطي لأبيالفضل الدمشقي خاصية السبق الزمني في ملاحظته لهذه النظرية وجوهرها قبل أن يفطنإليها رواد الفكر الاقتصادي الحديث.

    بالإضافة إلى ذلك هناك السبق التاريخي للدمشقي على علماء الغرب فهذا "سان توماس الأكويني" الفيلسوف الذي عاش في الفترة من 1225م إلى 1274م أي أنه جاء بعد الدمشقي بحوالي قرن من الزمان أو أكثر، وفي تاريخ الفكر الاقتصادي الأوربي يشار إلى آرائه كأحد رموز الفكر الاقتصادي الذي وجد في عصره، ففي عصر الأكويني كان الفكر الأوربي عن الثمن محكوماً بفكر أرسطو عن الثمن العادل ولكن الحقيقة أنها فكرة لا تتضمن تحليلاً للواقع فهي تخضع لمنهج ما يجب أن يكون، ويذكر أن الأكويني حاول أن يجعل فكرة الثمن العادل تحمل أثراً لقوى العرض والطلب أي يخضعها لمنهج ما هو كائن ويعتبر الفكر الأوربي هذه المحاولة للأكويني خطوة متقدمة نحو تقديم أفكار اقتصادية صحيحة نسبياً.

    وبالتالي فإن المقابلة بين آراء الدمشقي ومنهجه الذي كان يعتمد على دراسة وتحليل ما هو كائن وليس ما يجب أن يكون وبين الأكويني يتبين تفوق الدمشقي الواضح ومن ثم، فإن هذا الأمر يثبت أن مساهمة الأكويني والتي يقومها الفكر الأوربي تقويماً إيجابياً على اعتبار أنها أرقى الأفكار في عصرها هذه المساهمة جاءت بعد الدمشقي بأكثر من قرن من الزمان ومن حيث المضمون فإنها أدنى بكثير من مساهمة الدمشقي(29).

  3. #3

    افتراضي رد: المفهوم الإسلامي للقيمة لدى الاقتصادي أبي الفضل الدمشقي

    *) باحث من مصر.
    1- زينب صالح الأشوح، الدليل الشامل للاقتصاد الإسلامي، دار غريب للطبع والنشر، 2004، ص320 وما بعدها.
    2- أبو الفضل، جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، اسطوانة المحدث، اسطوانة ليزر، الإصدار الثاني 8.3، عام 2003
    3- ابن عابدين، محمد أمين، حاشية ابن عابدين، في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، ج4، ط2، (دار الفكر العربي 1966 ) ص57.
    4- الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى النخعي الغرناطي، الموافقات في أصول الشريعة، ج2، (دار المعرفة - بيروت - لبنان - ب ت) ص17.
    5- عبد الرحمن الجزيري،الفقه على المذاهب الأربعة، المجلد الثالث، ط6، ( دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان، ب ت ) ص4.
    6- شوقي دنيا، الفكر الاقتصادي لدى المسلمين الأوائل، دار الفكر الإسلامي، جدة، 1986، الجزء الأول، ص58.
    7- المرجع السابق، ص59.
    8- المرجع السابق، ص60.
    9- ابن عابدين، مصدر سابق، ج4، ص575.
    10- سورة يوسف، الآية (20).
    11- الزمخشري، جار الله بن محمود بن عمر،الكشاف، ج2، (بيروت - ب ت) ص452.

    12- القرطبي، أبي عبد الله محمد بن أحمدالأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، ج9،(القاهرة 1967) ص155.
    13- رفعت العوضي، التراث الاقتصادي للمسلمين، دار المنارة، القاهرة، 1999، ص40.
    14- زينب الأشوح، مرجع سبق ذكره، ص321.
    15- سورة النساء، الآية (29).
    16- أبو الفضل جعفر الدمشقي، الإشارة إلى محاسن التجارة، تحقيق، السيد الشوربجي، ط1 (دار البيان، جدة، 1985) ص28.
    17- الدمشقي،المرجع، ص25.
    18- نفس المصدر، ص29.
    19- نفس المصدر، ص30.
    20- نفس المصدر، ص31.
    21- شوقي دنيا، مرجع سبق ذكره، ص65.
    22- الدمشقي، مرجع سبق ذكره، ص38-40.
    23- نفس المصدر، ص39.
    24- نفس المصدر، ص38.
    25 - مصطفى عز العرب، مقدمة في نظرية التجارة الدولية، جامعة حلوان، 1995)، ص58-75.
    26- نفس المصدر، ص70.
    27- الدمشقي، مصدر سابق، ص106.
    28- رفعت العوضي، التراث الاقتصادي للمسلمين، مرجع سبق ذكره، ص43.
    29- رفعت العوضى، التراث الاقتصادي للمسلمين، مرجع سبق ذكره، ص45.

    منقوووول

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الهندسة المالية: المفهوم و المصطلح
    بواسطة يمامة العرب في المنتدى موسوعه الهندسه الماليه Financial Engineering
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 29-05-2014, 01:24 AM
  2. منهجية النظام الاقتصادي الإسلامي ومعوقات تطبيقه
    بواسطة محمد أحمد البكارى في المنتدى ديوانية الوافي للمواضيع الهامة والمميزة في الاسواق العالمية Specific Topics Forum Alwafi
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 23-06-2013, 09:06 AM
  3. التكامل الاقتصادي الإسلامي
    بواسطة يمامة العرب في المنتدى موسوعه الاقتصاد الاسلامي Islamic Economics
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 25-05-2011, 10:54 PM
  4. منهجية النظام الاقتصادي الإسلامي ومعوقات تطبيقه
    بواسطة محمد أحمد البكارى في المنتدى نادي خـبـراء الـبـورصه العالمية
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 13-05-2011, 12:08 PM
  5. محتاج للقيمة الثالثة في الزقزاق سواء اتجاهه صاعد او نازل ، هل من مساعد
    بواسطة ابوحسنين في المنتدى نادي خبراء الأستراتيجيات والاكسبيرتات والبرمجة Strategies & Experts Advisors
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 21-04-2010, 04:01 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

يعد " نادى خبراء المال" واحدا من أكبر وأفضل المواقع العربية والعالمية التى تقدم خدمات التدريب الرائدة فى مجال الإستثمار فى الأسواق المالية ابتداء من عملية التعريف بأسواق المال والتدريب على آلية العمل بها ومرورا بالتعريف بمزايا ومخاطر التداول فى كل قطاع من هذه الأسواق إلى تعليم مهارات التداول وإكساب المستثمرين الخبرات وتسليحهم بالأدوات والمعارف اللازمة للحد من المخاطر وتوضيح طرق بناء المحفظة الاستثمارية وفقا لأسس علمية وباستخدام الطرق التعليمية الحديثة في تدريب وتأهيل العاملين في قطاع المال والأعمال .

الدعم الفني المباشر
دورات تدريبية
اتصل بنا