من قضايا الفقه المالي المعاصر

المعاملات المالية بين العدل والفضل

دراسة فقهية

ا د حسن السيد حامد خطاب

رئيس قسم القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بكلية العلوم بالعلا جامعة طيبة
و الأستاذ بكلية الآداب بجامعة المنوفية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين,والصلاة والسلام على إمام النبيين, سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ,ومن اهتدى بهديه إلي يوم الدين . وبعد
لقد ُبني الفقه الإسلامي على قواعد كلية عامة , تتميز بالمرونة والأصالة والتطور , مما يجعل للفقه الإسلامي قدرة خاصة على مواجهة التطور الحضاري في كل زمان ومكان, . ومن بين تلك القواعد والضوابط الفقهية التي لها أثرها على التعامل المالي بين الناس في المجتمع , وتُظهر أثر الالتزام بالأخلاق الإسلامية في تحقيق العدل الاجتماعي, والاقتصادي بين أفراد المجتمع الإسلامي : وجوب تحقيق العدل في التعامل المالي , بحيث لا يجوز اختلال العدل بأي وجه من الوجوه ؛ لأن النزول عن العدل ظلم ُمحقق , وإن كان في الظاهر أنه فضل ,أو زيادة ,إلا أنه في الواقع ظلم كالربا مثلا ,فهو زيادة لغةً, لكنه زيادة في أحد الطرفيين المتساويين لا يقابلها شيء من الطرف الآخر, فهي زيادة منهي عنها شرعاً؛لأنها أخلت بالعدل؛لعدم وجود سبب شرعي لتلك الزيادة, وكذلك الزيادة التي يحصل عليها البائع أو المشتري بالغش, أو الاحتكار, أو التدليس, أو الكذب ,ونحوها, كلها زيادة محرمة؛لأنها أدت إلى اختلال العدل في المعاملة , فأثرت في بطلان المعاملة؛لعدم مشروعية تلك الزيادة التي حصل عليها بسبب غير مشروع ؛لاختلال العدل فيها , ويطرد ذلك في عقود المعاملات المالية كالبيوع والشركات ,والتبرعات كالقروض, والهدايا ,والهبات ونحوها ؛ولهذا قال الفقهاء بوجوب اشتراط العدل بين المتعاقدين في البيوع, وكذلك بين الشركاء في عقود المضاربة, والشركة ,والمزارعة, والمساقاة , كما أكدوا علي ضرورة اشتراط تحقيق العدل في العطية ,والهبة للأولاد والوصية ؛لأن تفضيل أحد الورثة بدون سبب شرعي يقتضي تلك الزيادة مخل بالعدل ,وهو منهي عنه , وكذلك في القروض والوصايا, ونحوها بما يعني أن العدل أساس للتعامل المالي ؛ومن أجل تحقيقه نهى الشارع عن أنواع من البيوع والمعاملات, ووضع الفقهاء ضوابط يجب تحقيقها؛ لتصح المعاملات التي يكون مبناها تحقق العدل فيها على أنه في بعض الحالات قد يكون الارتقاء عن العدل إلى الفضل أمر ُمحبب ,ومرغوب فيه كما في "حسن القضاء" فليس نزولاً عن العدل, وإنما ارتقاء عنه إلى الفضل والإحسان ,و قد أمر الله تعالي بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. وهذا من محاسن الفقه الإسلامي حيث تجمع قواعده فروعا بينها اطراد وفقي وعكسي معا, ولا تعارض بينها , وهذا لأنه موصول بالكتاب والسنة اللذين هما تشريع الحكيم الخبير ,الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير, وقد جمعت لهذه القاعدة فروعاً شتى في أبواب المعاملات المالية سواء المعاوضات, أو الشركات التجارية, أو التبرعات :كالهبة, والقرض, والوصية ,وما يشبهها من العقود المعاصرة: كالتامين التعاوني ,والتجاري ونحوه ,و بحثت أثر العدل والفضل عليها, وهذه الفروع علي سبيل المثال لا الحصر, ويظهر من خلالها مدي اطراد القاعدة و آثارها , وترجع أهمية اختياري لهذا الموضوع لما يلي :
أولا- أن قاعدة العدل والفضل لها أثرها في المعاملات المالية على اختلاف أنواعها,.
ثانيا - أن اشتراط الفضل في المعاملات التي يجب قيامها على العدل يؤدي إلى فسادها ,وعدم مشروعيتها,بخلاف إعطاء الفضل بدون اشتراط لفظي, أو عرفي, فهو جود وإحسان ,ومن باب السماحة والتيسير في البيع ,والشراء, والاقتضاء.
ثالثا - أن عقود المعاملات المالية في الفقه الإسلامي تتنوع إلى نوعين:منها ما يكون أساسه تحقيق العدل كالبيوع المالية ,فاشتراط الفضل يفسدها . ومنها ما يكون أساسه تحقيق الفضل كالقرض والهبة ونحوهما,إذ هي عقود تعاونية مبناها البر والإحسان ,والتعاون, والتكافل في المجتمع ,وابتغاء الثواب عليها من الله تعالى, فاشتراط تحقق العدل فيها ظاهراً يؤدي إلى الإخلال بمعناها؛ولهذا فإن الاشتراط المؤدي إلى اختلال معناها يؤدي إلى فسادها ,وعدم مشروعيتها ,كما هو الحال في القرض الحسن,والقرض بفائدة .مع العلم بأن الفضل بدون اشتراط ,ولا عرف أمر مندوب, ومستحب, فما علي المحسنين من سبيل.
وتقتضي طبيعة البحث تناولها على النحو الآتي:
تمهيد وثلاثة مطالب وخاتمة.التمهيد في خطة البحث .
والمطلب الأول: عقد البيع بين العدل والفضل .
والمطلب الثاني: عقود الشركات بين العدل والفضل .
والمطلب الثالث: عقود التبرعات بين العدل والفضل .والخاتمة في نتائج البحث
وتتلخص هذه الدراسة فيما يلي :
تعد قاعدة العدل والفضل في المعاملات المالية نوعا من محاسن التشريع الإسلامي في باب المعاملات المالية لأن أساس عقود المعاملات المالية يقوم على اشتراط تحقيق العدل بين طرفيهما . وإذا اختل تحقق الظلم , والظلم حرام .
ولهذا لو اشترط ما يخل بالعدل كان اشتراطا باطلا يؤدي إلى بطلان العقد سواء كان في عقود المعاملات المالية كالبيع والسلم ونحوها أو في عقود التبرعات التي مبناها التعاون والتراحم كالقرض والهبة والوصية , أو في عقود المعاونات ( الشركات ) بجميع أنواعها فإذا اشترط ما يخل بالعدل كان حراما كما لو اشترط توزيع الربح على خلاف الملك أو بدون ما يقتضيه كان حراما ويؤدي إلى بطلان الشركة .
أما لو زاد أحدهما للطرف الآخر بدون اشتراط وبدون عرف يقتضي بذلك صح ذلك , وهذا معناه أن مبنى الأحكام المالية على درجتين :
أولهما : تحقيق الواجب هو العدل .
ثانيهما : استحسان الفضل
والله أعلم