تتصدر البورصة قائمة أكثر القطاعات الخاسرة فى الاقتصاد المصرى بعد أن تراجع رأس المال السوقى للبورصة بما يزيد عن 170 مليار جنيه منذ بداية العام ليطرح سؤالا مهما فى أذهان الجميع هو: "هل كان هناك رابحون من هذا الانخفاض الكبير للبورصة؟".

تحليل الأحداث الأخيرة وحجم الخسائر المرتبط بها يؤكد أن هناك مجموعتين استفادتا من هذه الخسائر، الأولى، هى المستثمرون الأجانب والمؤسسات الذين تخارجوا قبل أحداث الثورة وهم غالبا من المستثمرين طويلى الأجل بمعنى أنه من المعتاد أن تكون متوسطاتهم السعرية منخفضة، مما يسهل تخارجهم، وهو ما قد يفسر جانبا من صافى مبيعاتهم التى بلغت منذ بداية العام نحو 3 مليارات جنيه، وهو ما أكده محسن عادل المحلل المالى ونائب رئيس الجمعية المصرية لدراسات التمويل والاستثمار.

أما الفئة الثانية فهى فئة المضاربين ومقتنصى الصفقات الذين يتداولون بشكل سريع جدا على الأسهم للاستفادة من الفروق السعرية الضيقة، مشيرا إلى تحول هذه الفئة فى الأسابيع الأخيرة ناحية المضاربة على الهبوط مما أدى لتدهور إيقاع التداولات.

وأضاف أن استراتيجية المضاربة على الهبوط التى يتبعها المضاربون أصبحت تؤثر سلبا فى مؤشرات أداء السوق، خصوصا أنها ترفع بشكل سلبى من القوى البيعية فى وقت تغيب فيه محفزات القوى الشرائية لدى المستثمرين مما يرفع من معدلات الهبوط بصورة أكبر من المتوقع، موضحا أن المستثمرين يحجمون عن ضخ سيولة جديدة فى السوق بسبب غياب المحفزات مثل نتائج الأعمال الإيجابية أو أى إجراءات جديدة لدعم السوق.

وأكد أن سيطرة المضاربين إلى جانب ضعف الاستثمار المؤسسى كبدت السوق خسائر جسيمة، مضيفا أن المضاربين الأفراد لم يلتفتوا إلى الأساسيات الاقتصادية والمالية والاستثمارية؛ حيث يفترض أن يعكس أداء السوق الأداء المالى للشركات وقوة تصنيفها الائتمانى والفوائض المالية التى تتميز بها ميزانيتها، وتابع أن عدم الالتفات إلى الأساسيات أدى إلى عمليات بيع عشوائى على معظم أسهم الشركات المدرجة وخاصة الشركات القيادية التى تتمتع أسهمها بسيولة عالية اعتمادا على حركة مؤشرات أسواق الأسهم العالمية.

وأضاف عادل أن البيع العشوائى والذى أدى إلى انخفاض كبير فى أسعار أسهم معظم الشركات المدرجة ساهم فى خلق فرص استثمارية هامة للمستثمرين على الأجل الطويل وفرص هامة للمضاربين الذين يتوقعون عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة بعد استقرار وهدوء أسواق المال العالمية.

وأكد أن مستقبل البورصة خاصة خلال الأشهر القليلة المقبلة سيظل مرهوناً بأداء المستثمرين المحليين من أفراد وبنوك وصناديق ورغبة هذه الأطراف فى مساندة السوق ودعمها حتى تجتاز هذه الفترة، مشيراً إلى أن دعم الأطراف المحلية للسوق يعطى رسالة ثقة للمستثمرين الأجانب بأن الأمور تمضى إلى الأفضل، وبالتالى لا داعى للخروج من هذه السوق الواعدة.

وأوضح أن البنوك المصرية عليها دور كبير فى ضخ سيولة للبورصة، خاصة أن البنوك تعلم قبل غيرها أن الأسهم أصبحت فى مستوى سعرى مغرٍ للغاية، وأن من يشترى الآن سوف يحقق أرباحاً كبيرة فى المستقبل القريب، والبنوك هى التى يمكن أن تشترى الآن وتنتظر تحسن السوق مستقبلا، نظراً لأنها تتمتع بالسيولة ومن المفترض أنها تعمل وفق أسس استثمارية استراتيجية؛ لذلك يجب على البنوك الدخول كمشترٍ فى هذه المرحلة، ولن تنتظر طويلاً على حيازة هذه الأسهم.

أما إسلام عبد العاطى المحلل الفنى، فقال إن البورصة تعرضت لتحولات على وقع الأحداث السياسية والاقتصادية الكبرى وعلى الصعيد الاقتصادى، موضحا أن المرحلة الحالية فى البورصة تتسم بأنها مرحلة غموض على كافة الأصعدة ولا سيما أن مستقبل أداء العديد من القطاعات الاقتصادية الأساسية مرهون بوضوح المستقبل السياسى فى الشهور المقبلة، مؤكدا أن بعض الإجراءات التى صدرت عن المجلس العسكرى ربما تلعب دوراً إيجابيا فى تبديد حالة الغموض.

وأضاف أن البورصة فى هذه الفترة أصبحت شديدة الحساسية تجاه الأحداث عكس السنوات الماضية؛ حيث كانت هذه الحساسية أقل كثيرا بفضل استقرار الأوضاع الداخلية، مشيرا إلى أن مخاوف المستثمرين لعبت دوراً ملموساً فى تعزيز الموجة البيعية التى سيطرت على السوق، خاصة بعد ظهور بوادر انكماش متوقع فى الإنفاق الحكومى العام فى الأشهر المقبلة بعد التخفيضات التى جرت للميزانية العامة.

وأكد عبد العاطى أن نسب تعاملات المستثمرين جاءت خلال الفترة الماضية فى اتجاهات غير مستقرة كاتجاه عام، ولكنها تأثرت دوما بالأنباء أو المتغيرات المتعددة للسيولة أو التحركات المالية وتغيرات التصنيفات الائتمانية أو المتغيرات السياسية والاقتصادية، لهذا لا يمكن الجزم بأن الاستثمار الأجنبى أو المحلى كان تحسسا للوضع العام المالى فى مصر ومحاولة لاقتناص صفقات وتكوين مراكز مالية جديدة امتازت بتكوينين أساسيين:
الأول: مراكز مالية طويلة الأجل فى شركات ذات قوى مالية مؤكدة، وتعمل فى قطاعات اقتصادية مستقرة وبعيدة عن تأثيرات المحاكمات أو تأثيرات المتغيرات الحالية فى الفترة الانتقالية.
الثانى: مراكز مالية قصيرة الأجل بهدف اقتناص أسهم عند مستويات متدنية ماليا نتيجة عوامل غير مالية، مثل تحويل عدد من مساهميها للنائب العام أو التحفظ على أموالهم، بالإضافة إلى العوامل المالية مثل الركود النسبى الحالى أو الطلب الحذر على منتجاتها أو مواجهتها لبعض مشكلات الأراضى أو سحب تراخيص أو غيرها من المتغيرات الجديدة.
وتابع عبد العاطى أن السيولة الجديدة المستهدفة حاليا لن تكون ضخمة داخل السوق، بل إن ارتفاع نسب تداولات الأجانب السوقية حاليا يرجع فى الأساس إلى تراجع قيم وأحجام التداولات، وهو أمر طبيعى فى إطار سياسة "الحذر الاستثمارى" التى ينتهجها المتداولون الأجانب خلال الربعين الأول والثانى لهذا العام.

إلا أن عبد العاطى أكد أن هذه الفترة ستكون أقصر مما يتوقع الكثيرون لعدة أسباب: أولها أن تشديد الرقابة من جانب البورصة والهيئة العامة للرقابة المالية حاليا يحد من فرص دخول أموال غير شريعة أو ساخنة ويحفز على اجتذاب الاستثمارات الحقيقية إلى جانب عدم وجود فرص مضاربة نتيجة تشديد آليات الرقابة وهو ما سيؤدى بالتأكيد إلى تحول فى رءوس الأموال الأجنبية ناحية الاستثمارات متوسطة وطويلة الأجل، كما أن الرؤية المالية لمصر بعد الثورة تشجع المستثمرين الجادين على المغامرة بالدخول فى الفترة الحالية لاقتناص فرص لن تتوافر بالتأكيد فى مرحلة قريبة قادمة، كما أن الفترة الانتقالية تشهد مؤشرات إيجابية على فرص اقتصادية واستقرار وإصلاح للأوضاع بما قد يشجع المتعاملين على زيادة معدلات الاستثمار متوسط وطويل الأجل.