قال بنك الكويت الوطني في موجزه الاقتصادي الصادر اليوم والذي تناول فيه الاقتصاد الدولي أنه وفي خطوة مفاجِئة، قررت لجنة السوق المفتوحة التابعة لمجلس الاحتياط الفدرالي الاميركي ارجاء البدء بتخفيف عمليات التيسير الكمي في اجتماعها لشهر سبتمبر. بمعنى اّخر، سيستمر المجلس بشراء السندات على النحو الحالي بمبلغ 85 مليار دولار شهرياً. كما بقيت السياسات الأخرى وسعر الفائدة التوجيهي للتمويل قصير الاجل بين البنوك دون تغيير. وقد كانت أسواق المال تترقب اعلان البدء بتخفيض مشتريات مجلس الاحتياط الفدرالي من السندات في سبتمبر الجاري مع تخفيض في اول شهر بواقع 10 الى 15 مليار دولار. وقد رفع النبأ من سعر السندات الأميركية لأجل عشر سنوات مسببا تراجع العائد عليه بواقع 15 نقطة أساس ليصل الى 2.70٪. أما السندات لأجل سنتين فقد تراجع عائدها بواقع 8 نقاط أساس ليصل الى 0.31٪. وقد صعد مؤشر داو جونز الصناعي 150 نقطة ليسجل أعلى مستوى له. أما الدولار الأميركي فقد هبط من 1.335 مقابل اليورو الى 1.355. في حين يرى المجلس ان الاقتصاد يحقق نموا معتدلا وان المخاطر المحتملة قد تراجعت، الا انه يرغب برؤية دليل اوضح على التحسّن وعلى استدامة وتيرة النمو. ويرى ان البطالة تبقى مرتفعة وان التضخم لا يزال تحت نسبة 2٪ المستهدفة. كما ان الظرف المالي يشكل ضغطاً على الاقتصاد (نتيجة التخفيضات القصرية في المصروفات التي تمت العام الماضي بالإضافة الى احتمال القيام بتخفيضات جديدة أو عرقلة في أكتوبر بسبب السقف الفروض على الدين العام). ومن المثير ان مجلس الاحتياط ذكر "ظروف مالية ضيقة" والمقصود الارتفاع في أسعار فائدة في الفترة الاخيرة. ويذكر أن المتسبب الوحيد بذلك الارتفاع هو المجلس نفسه وتصريحاته المتكررة منذ شهري مايو ويونيو بنيته البدء بتخفيف عمليات التيسير الكمي قبل نهاية العام. وقد ارتفعت أسعار الرهن العقاري بما يفوق 100 نقطة أساس منذ ذلك الوقت، ما ترك تأثيراً على مبيعات العقار السكني، الأمر الذي قد لفت انتباه المجلس.
وفي منظورنا، فإن هذه "المفاجئة" ترجع جزئياً لضعف التواصل. وقد كانت إحدى رسائل المجلس أن "قرار التخفيف كان منوطاً بالبيانات" التي من الواضح أنها أتت لصالح تأخير أي تخفيض في عمليات التيسير الكمي. كما تضمنت تصريحات المجلس رسالة أخرى مناقضة وهي ان التخفيف من عمليات التيسير الكمي يجب ان يبدأ، وذلك لأسباب بعضها مرتبط بالأساسيات الاقتصادية واخرى فنية. وقد لمح منذ يونيو بعض اعضاء لجنة السوق المفتوحة بتلك الرسالة الثانية. ومن الواضح الآن أن البيانات بقيت هي الفيصل. كما نشر المجلس توقعات وتقديرات الأعضاء. فقد تراوحت التقديرات المركزية لنمو الناتج المحلي الإجمالي الفعلي للعام 2013 بين 2.0٪ الى 2.3٪ بعد أن كانت تتراوح بين 2.3٪ و 2.6٪ في يونيو. أما باقي التوقعات بخصوص التضخم والبطالة، فلم يطرأ عليهما تغيير إلا بنسبة أقل عن بيانات يونيو بشكل طفيف جداً. وأكد رئيس مجلس الاحتياط القدرالي بن برنانكي في مؤتمره الصحافي أن المجلس سوف يعتمد على البيانات الاقتصادية في اتخاذ قراراته مستقبلاً، في كل من سياسة التخفيف ومعدلات الفائدة للمدى القصير. ولا تزال عمليات التخفيف في طريقها نحو التطبيق ولو بشكل تدريجي الا اذا حصل تراجع غير متوقع في آفاق الاقتصاد الأميركي، كما أن البدء بالتخفيف سيتطلب بيانات أكثر صلابة، حيث أن توقعات المجلس السابقة منذ موسم الصيف بانهاء برنامج التيسير الكمي بحلول الربع الثالث من عام 2014 لطالما كانت متفائلة. ومن المتوقع أن يظل سعر الفائدة التوجيهي القصير الاجل قرب الصفر في المستقبل القريب. وقد قال برنانكي مراراً بأن المجلس سوف يدرس زيادة أسعار الفائدة للمدى القصير بعد وصول البطالة الى 6.5٪ أو أقل علما ان النسبة الحالية تبلغ 7.3٪ (كما يظل التضخم تحت السيطرة). وتوقع 12 من أصل 15 عضوا في لجنة السوق المفتوحة خلال اجتماعهم الاخير أن أول ارتفاع في السعر التوجيهي قصير الاجل سوف يكون في العام 2015. ويظل المجلس قلقاً بعض الشيء بشأن استقرار بيئة النمو الحالية في أميركا، ويعتزم على التحفظ بشأن التخفيف من عمليات التيسير الكمي، مع التكرار بأنه من غير المتوقع حصول ارتفاع في أسعار المدى القصير قبل العام 2015. أما مصدر القلق الأخير للمجلس والمستثمرين خلال الأسبوعين المقبلين، و الأكثر أهمية، فهو جدال الكونجرس حول مسألتين أساسيتين وهما الديون والميزانية. حيث ترتبط الميزانية بتمويل الحكومة الأميركية للسنة المالية التي تبدأ في اليوم الأول من شهر أكتوبر. ويختلف الحزبان الديموقراطي والجمهوري حول الأمور المتعلقة بالميزانية، ولكنها يربطان هذه الأمور بعملية تطبيق خطة الرئيس أوباما الضخمة المتعلقة بقطاع الصحة، التي تبدأ أيضاً في اليوم الأول من أكتوبر. أما الحزب الجمهوري، فإنه يقوم بمناورات سياسية: حيث يقوم باقرار الميزانية مع رفضه تخصيص أي أموال لصالح البرنامج الصحي. ومن غير المحتمل نجاح تلك المناورات، إلا أن الخلافات بين الحزبين والمجازفة السياسية قد تؤدي الى إيقاف الحكومة في الأول من أكتوبر. وقد تؤدي هذه الأمور أيضاً الى تأخير عملية تحديد سقف جديد للديون، حيث تتوقع الحكومة الأميركية عدم قدرتها على الاقتراض ما بعد منتصف شهر أكتوبر دون رفع سقف الديون عن السقف الحالي الذي يبلغ 16.7 تريليون دولار. من المفترض أن تكون هذه التطورات السياسية قد انجلت خلال الأسبوعين المقبلين، ولكن لن يكون بالإمكان تفادي حدوث تقلبات في السوق خلال الفصل الحالي. وقد تزداد ثقة مجلس الاحتياط القدرالي في بدء تخفيف عمليات التيسير الكمي بعد عبور تلك القرارات السياسية البارزة، وبعد تحقيق تحسن في البيانات الاقتصادية بما يظهر بيئة نمو اكثر متانة.