أكدت دراسة حديثة أن نحو 22 في المائة من حجم حوالات الأجانب العاملين في السعودية إلى الخارج، والتي يُتوقع أن تبلغ 120 مليار ريال في العام الجاري، تم اكتسابها عبر ممارسة أنشطة تجارية تحت مظلة التستر التجاري. ويرى اقتصاديون تحدثوا أن أي توجه نحو فرض ضريبة على تلك الحوالات "يعتبر مرفوضاً"، لكونه ليس "حلا جذريا" لمعالجة المشكلة في بلد يعترف رسمياً بالعمل ضمن "قواعد الاقتصاد الحر". وقال الاقتصاديون: إنه من الأجدى التوجه نحو توطين الوظائف، لتخفيض أعداد العمالة الوافدة، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية للحد من هجرة تلك الأموال.

وجاءت آراء المختصين متزامنة مع التوجه الذي أعلنته الإمارات أمس، ونُسِب لمصادر حكومية، لدراسة فرض ضريبة على الحوالات المالية للأجانب إلى الخارج. وكان الخبر الذي نشرته وكالة "رويترز" أمس، قد قال: إن مصادر حكومية ومصرفية في دولة الإمارات تدرس فرض ضريبة على مليارات الدولارات التي يرسلها العمال الأجانب إلى بلادهم كل عام. ولم يوضح الخبر بعد، هل ستمضي السلطات قدماً في فرض الضريبة، التي من شأنها أن تمثل تحولاً كبيراً في سياسة البلاد، وقد تؤدي لزيادة التكاليف الاقتصادية، وتراجع تدفق الأيدي العاملة الأجنبية التي تقوم عليها حركة الازدهار الإماراتية إلى حد كبير. وقالت المصادر، التي طلبت عدم نشر أسمائها نظراً لحساسية الموضوع: إنه تم إرسال منشور إلى بعض المصارف والمؤسسات المالية في الإمارات يتناول الاقتراح ويطلب إبداء الرأي فيه. وقال مصدر في وزارة المالية: "إنه مشروع تجريبي في مراحله الأولية. وسيتم اتخاذ القرار بناء على آراء المصارف وغيرها". وقال الدكتور فاروق الخطيب، أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز: إن أي توجه نحو فرض الضريبة بشكل عام هو أمر مرفوض قطعيا، لوجود فرض للضرائب بطرق غير مباشرة من الأساس على الوافدين. وأشار إلى ما يتم على المستثمرين الأجانب في السعودية الذين يدفعون ضريبة على الدخل، "وهو الأمر الذي من شأنه قد يوقعهم في الازدواجية". وتابع: "هناك نوع من الحلول يمكن التوجه له دون النظر لفرض ضريبة على الحوالات المالية، التي منها إلزام الوافدين الموجودين في السعودية بوجود حسابات مصرفية لهم، يتم فيها فقط إجراء التحويلات المالية، وهو ما قد يكشف في حال وجود حوالات أعلى من دخلهم المثبت لدى البنك، وجود أمور قد تكون غير مشروعة، توجب حينها الجهات المعنية بالتحرك لمعرفة ذلك". ويرى الخطيب أنه "ليس من العدل" تطبيق نظام فرض الضريبة على حوالات الأجانب، "خاصة إذا كانت تلك الحوالات شرعية"، وتتم من دخلهم المثبت الذي يتقاضونه وفقاً للأنظمة التي خولت لهم الإقامة في المملكة، مؤكداً أن السعودية تعيش على مبدأ "الحرية الاقتصادية" التي ترفض مثل هذا التوجه. وذكر أن الدراسات الحديثة التي يعملون عليها الآن كشفت عن أن نحو 22 في المائة من حجم الحوالات المالية للخارج، تم اكتسابها تحت مظلة التستر التجاري، متوقعاً أن تفعيل الرقابة على دخل العمالة الوافدة، ومقارنتها بالحوالات التي يقومون بها، والتشجيع على عملية التوطين، من شأنه أن يخفض حجم الحوالات للخارج بنحو 17 في المائة كمرحلة أولى. من جهته، يرى محمد الضحيان، رئيس مكتب محمد الضحيان للاستشارات المالية والإدارية، أن أمر فرض ضريبة على العمالة الوافدة أو مجرد التفكير فيه يعد "أمر مرفوض قطعيا" في وسط مجتمع يعيش ضمن نطاق الاقتصاد الحر. وقال: "نحن نقول إننا نعمل وفق قواعد الاقتصاد الحر، فكيف نفرض الضريبة على الوافد ولا نفرضها على المواطن، لا بد في حال التفكير في ذلك أن يكون الأمر عاماً وليس خاصاً على فئة معينة". ويرى الضحيان أن حجم إنفاق السعوديين في الخارج لا يقل ضرراً عن التحويلات المالية للأجانب، مشيرا إلى أن من الحلول التي يجب اللجوء إليها، الزيادة في حجم توطين الوظائف، وتشجيع الاستثمار الأجنبي داخل السعودية، من خلال تكييف القوانين وتسهيلها لذلك. وذكر أن فرض رسوم على الأجانب قد يتسبب في خلق "نوع من العنصرية"، نافياً أن تكون هناك أي دولة كبرى قد سبق لها أن فرضت ضريبة على الحوالات المالية التي تقوم بها العمالة الوافدة فيها، كما أن منظمة التجارة العالمية ترفض أي توجه مشابه. كما وصف أي توجه نحو فرض الضرائب على حوالات الأجانب المالية للخارج بـ "الحل التعسفي" الذي لا يمكن أن يوجد "حلولاً جذرية" لمشكلة تنامي حجم الحوالات للخارج، وهو الحل الذي يمكن استبداله بزيادة نسبة توطين الوظائف من خلال تغيير النمط الفكري لدى معظم السعوديين عن نوعية الوظائف التي يجب أن يشغلوها في عملية الإحلال التي سيتم معها تقليص عدد العمالة الوافدة، ما سينجم عنها تقلص حجم الحوالات إلى الخارج. أما الدكتور فؤاد بن محفوظ، عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرمة، والمختص في الشأن القانوني، فيرى أن إمكانية فرض الرسوم من عدمه يعود إلى القرار السيادي، وأنه يؤيد هذا التوجه "إذا تمت دراسته بشكل مفصل"، وبما لا يمكن معه أن يضر بحجم الانفتاح التجاري العالمي للسعودية، ويمكن له أن يسهم في توطين الوظائف. وأشار ابن محفوظ إلى أن الأرقام المعلن عنها رسمياً في السعودية، والخاصة بحجم حوالات الأجانب للخارج مقارنة بالدخل القومي، "تعد كبيرة"، وهي من الأمور التي يجب أن تتم مراعاتها للاتجاه نحو فرض مثل هذا التنظيم، والذي يمكن معه رفع الأجور على القطاع الخاص نظير استقدامه للعمالة التي ستنظر حينها في التكلفة الناتجة عن وجودها في المملكة، ما قد يدفع بالعاملين في القطاع نحو المزيد من التوطين للوظائف. كما أشار ابن محفوظ إلى أن فرض الضرائب يجب أن يكون "رمزي" في بدايته على العمالة الوافدة، آخذاً في الاتساع والحجم على مراحل، وصولاً بفرض تلك الضريبة على السعوديين الذين إما يقومون بحوالات للخارج، أو ينفقون على أنفسهم خلال رحلاتهم السياحية في الخارج. وقال: "يجب علينا أيضاً ألا ننسى ذلك الرقم الذي ينفقوه السعوديون على سياحتهم في الخارج، فعلى الرغم من عدم دقة البيانات له، إلا أنه ضخم". وكانت "رويترز" قد أظهرت في خبرها أن الأجانب يشكلون نحو 80 في المائة من السكان البالغ عددهم ثمانية ملايين نسمة تقريباً في الإمارات - ثاني أكبر اقتصاد عربي - وينتمي الكثيرون منهم إلى جنوب آسيا وجنوب شرق القارة. ويشغل الأجانب جميع الوظائف المجهدة أو ذات الأجور المنخفضة نسبيا في قطاعات مثل البناء والخدمات. وتشير بيانات البنك المركزي إلى أن صافي تحويلات الموظفين في الإمارات إلى الخارج بلغ 45.1 مليار درهم (12.3 مليار دولار) العام الماضي صعوداً من 41.2 مليار درهم قبل عام. وتستند جهود الإمارات الرامية لتنويع اقتصادها بعيدا عن النفط إلى عدة عوامل منها انخفاض الضرائب - إذ لا توجد ضريبة على الدخل - ومن ثم يعتقد الكثير من المصرفيين أنها ستتردد كثيراً قبل فرض أي ضرائب ثقيلة. يشار إلى أن تقريراً صدر أخيراً عن شركة جدوى للاستثمار، أشار إلى أن تحويلات العاملين الأجانب في السعودية، ستظل تشكل المصدر الرئيس لتدفق الأموال خارج السعودية من الحسابات غير المنظورة، وسيبقى عدد العاملين الأجانب في السعودية مرتفعاً رغم الإجراءات الجديدة الرامية إلى زيادة عدد السعوديين في القطاع الخاص، وذلك بسبب ضخامة حجم أعمال التشييد والبنية التحتية. ونتيجة هذا، يرى التقرير أن التحويلات الخارجية للأجانب في طريقها لتسجيل أعلى مستوى لها على الإطلاق، حيث يُتوقع أن تصل إلى 32 مليار دولار (120 مليار ريال) عام 2013. وتشير آخر البيانات إلى أن تحويلات الأجانب زادت بنسبة 14 في المائة على أساس المقارنة السنوية خلال الأشهر السبعة الأولى من العام لتبلغ 23.1 مليار دولار.