السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نتعرف على القيمة النفسية للتحليل الفني

في جميع أسواق المال في العالم يتفق المتعاملون بهذه الأسواق جميعاً على سيطرة نوعين من الأحاسيس عليهم " الخوف والطمع Fear & Greed" تتحكم هذه الأحاسيس في تصرفاتهم وتؤثر على حالتهم النفسية التي تتشكل وتتغير حسب الظروف المحيطة بهم، ويأتي التحليل الفني ليصور لنا سيكولوجية هؤلاء المتعاملون في السوق. فالمدخل الفني مبني على نظرية أن سوق الأوراق المالية هي انعكاس لنفسية المجموع ( الجمهور ) في حركتها، فهي تحاول التنبؤ بتحركات السعر على افتراض أن نفسية الجمهور تتحرك بين الذعر Panic والخوف Fear والتشاؤم Pessimism من ناحية والثقة Confidence والتفاؤل الزائد Excessive Optimism والحرص Greed من ناحية أخرى.

فلو نظرنا للمتعاملين داخل البورصة سواء كانوا أفراد أو صناديق استثمار أو مديري محافظ سنجد أن كل منهم يمثل اتجاه مختلف من حيث درجة تحمل المخاطرة أو معلوماتهم عن السهم سواء المعلنة أو غير المعلنة فهم في مجملهم يكونون ما يسمى " بعقل السوق " Market Brain ، فنجد أن السوق ( أو السهم ) يميل إلى التحرك نحو الحدود القصوى بمعنى سيكولوجي، فمن جهة لدينا " الطمع " وهو مرتبط عادة بحد أقصى ( لم يبق أحد ليشتري ) في حين أن هناك على الطرف الآخر إحساس " الخوف " ( لم يبقى أحد ليبيع ). ولو قمنا بالتحليل النفسي لحركة سهم في اتجاه صاعد مثلاً نجد أنه في البداية يبدأ سعر السهم بالصعود ويكون هذا التقدم محملاً بكثير من الشكوك. ويطلق على هذه المرحلة مسمى مرحلة عدم الاقتناع ولكن سرعان ما تبدأ مرحلة جني الأرباح والتي بدورها يتبعها ارتفاع آخر. في هذه المرحلة قد يصبح التحسن المستقبلي المستند إلى الأسس مقبولاً بشكل أوسع. ويحدث تصحيح آخر تتبعه مرحلة الطمع " الكل يريد أن يمتلك السهم " ويتطور اتجاه هبوطي رئيسي غالباً بمضامين سيكولوجية معاكسة. يصل السهم إلى حده الأقصى حين تبدو الأسس أو المبادئ الأساسية جيدة ويبدأ انكساراً خطيراً لا يعترف به الكثيرون كمرحلة هبوط جديدة للسوق، وبعد ارتفاع مختصر يبدأ اتجاه متجدد من الهبوط كاسراً المنخفض السابق وقد يصاحبه الإشارات الأولى الملموسة لتراجع ( الأرباح ) مستند إلى الأسس والثوابت، وبعد ارتفاع مرحلي آخر يتراجع السعر ثانية مؤسساً أعراض الخوف.

وهناك الظاهرة النفسية التي تعرف بالنبؤة التي تحقق نفسها Self-Fulfilling Prophecy والتي تعني بأن الإنسان عندما يتوقع حدوث شيء ما فانه إما شعورياً أو لاشعورياً يتصرف بطريقة تؤدي إلى حدوث ما كان يتوقعه، ففي التحليل الفني عندما تظهر بوادر النماذج الفنية، فان التصرف الذي يقوم به جموع المحللين الفنيين يؤدي بنهاية الأمر إلى اتخاذ السهم للشكل المتوقع.
ويقدم لنا التحليل الفني الخرائط والرسوم البيانية والوسائل الأخرى التي تساعدنا على قراءة نفسية هؤلاء المتعاملون وفهم سيكولوجيتهم وهي تعتبر أحد الأسس المنطقية والعقلانية الرئيسية لكثير من المستثمرين والمضاربين الناجحين في العالم، لأنها تساعدهم على عدم الوقوع فريسة لعواطفهم وتساندهم في اتخاذ قرارات التداول بناء على مؤشرات فنية قوية ثبت من التجارب والخبرة السابقة ارتفاع احتمالات نجاحها. مما يعتبر وسيلة ناجحة لتعظيم الأرباح وتقليل المخاطر.
ويعتقد المستثمرون الذين يعتمدون على التحليل الفني أن الرسومات البيانية التي تظهر الحركات السعرية وكميات التداول وبعض الإحصاءات الكمية يمكن أن تقدم في بعض الأحيان صورة حول نفسية المتداولين في سهم ما، وعلى الرغم من أن هناك أشخاص يستخدمون هذه الرسومات البيانية بمفردها كوسيلتهم الأساسية للاستثمار، إلا أن الكثير من المستثمرين الآخرين يستخدمون الرسومات البيانية لتحديد الوقت الأنسب للدخول أو الخروج من سهم معين بعد الإطلاع عليها واتخاذ قرارهم الاستثماري من منظور أساسي أو كمي .

ومن أهم المقومات الأساسية التي يمد بها التحليل الفني المستثمر في البورصة لتحقيق النجاح، التوقيت، وتحديد اتجاه الأسعار، وإدارة المخاطر. فالتوقيت السليم للدخول والخروج من السوق يحدد مستوى الأداء، والأداء الجيد هو اختيار جيد لتوقيت تنفيذ العمليات المالية.

ولذا يكون التحليل الفني أحد الوسائل الفعالة لاستعادة العقلانية الضرورية للتعامل بنجاح مع التقلبات الدائمة للأسعار في الأسواق بحيث يعتمد الفرد على العقل دون العاطفة في النظر إلى حركة السوق.

وتجدر الإشارة إلى أنه من الأغلاط الشائعة عند المستثمرين، دراسة السهم المحدد دون النظر لحركة السوق فنياً، ولتفادي مثل هذه الأغلاط على المستثمر القيام بالخطوات التالية:

1- دراسة فنية للمؤشر العام للسوق.

2- دراسة فنية لمؤشرات القطاعات.

3- دراسة فنية للأسهم كلا على حدة.

ونجد أنه على المستوى الشخصي للمستثمر أو المضارب تكون ردود أفعالهم بالنسبة لحركة الأسعار في السوق متوقفة على مراكزهم المفتوحة في السوق، فلو كان المركز المفتوح مركزا طويلًاlong open position (يقصد به أمر الشراء في أسواق العملات والسلع) فان أي انخفاض للأسعار عن سعر الشراء يعرض صاحبه للخسارة. أما إذا كان المركز المفتوح قصيراً short open position (يقصد به أمر البيع في أسواق العملات والسلع) فان أي ارتفاع للأسعار عن سعر البيع يعرض صاحبه لخسارة. أما في حالة عدم وجود أي مركز فان تحركات الأسعار إلى أعلى أو أدنى لا تؤثر على وضعه المالي. وأحياناً يصل الأمر ببعضهم إلى أن تتملكهم مراكزهم تماماً بدلا من تملكهم هم لهذه المراكز وتستحوذ بالكامل على تفكيرهم. لتصبح أرائهم تعبيراً عن مراكزهم بالسوق. فرؤيتهم للسوق أصبحت محصورة فقط في رؤيتهم لما يعضد الاحتفاظ بمراكزهم المفتوحة بالأسواق.

أما على المستوى العام فان الفرد عندما يذوب في جماعة ما فانه يفتقد جزءاً كبيراً من عقلانيته وتتحكم فيه أحاسيس أخرى ويتحول إلى عضو في قطيع سلوكه عاطفي غير نابع من العقل وعليه فانه يصبح من الضروري فهم سيكولوجية هذا القطيعcrowd psychology أي مجموع المتداولين لتفسير تصرفاتهم كجماعة وفهم ردود أفعالهم للأحداث، ويمكن تفسير غياب التفكير المنطقي في عقل السوق كما يلي: يتكون السوق من مجموعة من الأفراد سواء أفراد عاديين أو مؤسسات أو صناديق أو ...الخ، هؤلاء الأفراد يختلفون فيما بينهم من حيث درجة الثقافة والوعي والإدراك، وحيث ان العقل البشري مكون من ثلاثة أجزاء، الأول جذع المخ Brain system المسئول عن الأحاسيس الإنسانية اللازمة لحياته مثل الجوع والعطش و...الخ، والجزء الثاني Limbic System المسئول عن الانفعالات الإنسانية كالخوف والغضب والطمع والحب و..الخ، أما الجزء الثالث وهو Neo Cortex وهو المسئول عن التفكير المنطقي للشخص.. وعندما يكون الفرد داخل مجموعة فان الجزء الثالث المختص بالتفكير المنطقي يكون معطلاً تماماً ويكون الجزء الثاني المسئول عن الانفعالات هو المسيطر على الموقف، وهو الأمر الذي يفسر صعود مجموعة من الأسهم بصورة سريعة ومفاجئة وانهيارها بعد ذلك، فالأفراد قد تأثروا بالسلوك الجماعي داخل السوق ولم يحكموا تفكيرهم المنطقي.

مع تحياتي
محمود رزق